لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستثمر صفات المدعوين في كثير من أعماله، وتظهر حكمته كداعية أول عندما نقف عند مواقف من حياته توضح استثثماره للجوانب الإيجابية في من يحيط به، فيحول المدعوين إلى فاعلين في حقل الدعوة إلى الله وإلى دينه.
مؤذن أهل مكة نقرأ في مسند الإمام أحمد رحمه الله: (قال أبو محظورة خرجت في عشرة فتيان مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبغض الناس إلينا، فأذنوا فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إيتوني بهؤلاء الفتيان، فقال أذنوا، فأذنوا فكنت أحدهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم هذا الذي سمعت صوته، اذهب فأذن لأهل مكة فمسح على ناصيته… وكان أبو محظورة لا يجيز ناصيته ولا يفرقها لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح عليها. هكذا يتحول ابن محظورة من مبغض للنبي الكريم، مستهزئ بالآذان إلى مؤذن لأهل مكة بعدما وجه الرسول صلى الله عليه وسلم موهبته إلى طريقها الصحيح. استثماره صلى الله عليه وسلم للمواهب الأدبية كان الشعر أهم شغل العرب، ملأ حياتهم قبل الإسلام، فلا غرو إذن أن يستثمر النبي صلى الله عليه وسلم مواهب من حوله من الشعراء، فكان له ثلاثة شعراء تولوا مهمة المنافحة على الإسلام وكان على رأسهم حسان ابن ثابت( عبد الله بن رواحة، كعب بن مالك). نقرأ في صحيح مسلم: >… عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق بالنبل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال اهجهم فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال لحسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلي هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي. فأتاه حسان ثم رجع، فقال يا رسول الله فقد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لايزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هجاهم حسان فشفى واستشفى…… أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل. ولقد كان شعر بن رواحة أشد على المشركين قبل أن يسلموا لأنه كان يعيرهم بالكفر. هذه جملة أمثلة أبانت كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينتبه إلى قدرات أصحابه وكيف كان يستثمرها لصالح الدعوة الإسلامية. المدعوون ليسوا أكياس تشحن بالوعظ وغير خاف من خلال هذه الأمثلة ما كانت نتيجة هذا السلوك النبوي في نفوس هذه المواهب، إذ يتحول الكافر المبغض إلى مسلم محب، ويزداد إيمان المؤمن ويكبر ولاؤه للإسلام حين يجد نفسه مشاركا في بناء صرحه بما أتاه الله من قدرات. إن الداعية اليوم يجب أن ينتبه إلى مخاطبيه، وأن لا يعتبرهم أكياس تشحن بالوعظ، بل عليه أن يشركهم في الهم والأجر، إذ بقليل من الفطنة يلقى الداعية كنوزا من الطاقات والمواهب أمامه خاصة من فئات الشباب. إن أول خطوة في هذا الهدي النبوي هي مخالطة الناس بصبر، والاستماع إليهم بأناة، وتشجيعهم على إظهار مواهبهم الإيجابية بحماس وتوجيههم بحكمة، ومتابعة مبادراتهم بسعة صدر حتى تؤتي أكلها بتوفيق من الله. ولقد سمعنا في عالم الرياضة عن أناس يجوبون أقطار الأرض يتصيدون المواهب الرياضية وينشئون لها المدارس لتستوي على سوقها، وينفقون على ذلك الأموال الطائلة، فحري بأهل الدعوة إلى الله أن يكون لهم نصيب في هذا المجال، فكم من واحد لا يرى الدعوة إلا خطبة من فوق منبر، أو حديثا على شريط، ولم يتدبر صنيع المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيغلق بذلك أبوابا شتى أمام الدعوة إلى الله. هذه التفاتة إلى جانب من هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع من يحيط به من الناس لعلنا نقتبس من نوره في دعوتنا إلى رب العالمين. الأستاذ محمد شبون
المصدر: التجديد نشر في التجديد

