تزامنا مع ظهور لائحة أمريكية أخيرة حول المثقفين العرب الذين تعاملوا مع نظام صدام حسين هكذا قيل عنهم أو تلقوا منحا مالية منه على حساب الشعب العراقي وآلامه ودمائه، وتعاونا مع من يريد شغل الرأي العام عن الاحتلال الأمريكي والنهب الصهيوني للعراق وفلسطين، خرجت أسبوعية مغربية، ماتزال في أيامها الأولى، بحوار يتهم فيه بعض المفكرين المغاربة بالتهمة ذاتها التي تروجها المخابرات الأمريكية في حق مفكرين عرب ومسلمين .
وقد اختار المحاوَر بمؤازرة من معد الحوار أن يطعن ثلاثة مفكرين مغاربة يعتبرون من القمم التي يفتخر المغرب بها، وقدموا لبلدها، خدمات ثقافية فكرية وعلمية رفعت رأسه عاليا بين الدول والأمم، ويتعلق الأمر بكل من الأساتذة محمد عابد الجابري والمهدي المنجرة وطه عبدالرحمن. وتلك عملية تلطيخ واضحة في توقيت مناسب. قال القائل إن الأول من أوائل الممجدين لصدام، وإنه تراجع عن ذلك بذكاء سياسي حاد عندما علم بالحقيقة، وإنه أنقذ وجهه في الوقت بدل الضائع في الواجهة. وقال عن الثاني إنه ضلل المغاربة بأرقام ومعطيات مستقبلية يمكن أن يسخر منها تلميذ في الصف الابتدائي، وإنه يعتبر الأحزاب المغربية كلها خونة، وأنه سب ولعن الكبير والصغير، وإنه بالغ كثيرا عندما اعتبر حرب الخليج الثانية حربا حضارية. وقال عن الثالث إنه عضو في بيت الحكمة العراقي على حساب أموال الشعب العراقي وصحته، وإنه رفض الذهاب إلى عدة دول أخرى لأسباب سياسية وإيديولوجية، وإنه يكفر اليسار المغربي. آعتقد أن المفكرين الثلاثة ليسوا في حاجة إلى من يدافع عنهم، لأن المغاربة وغير المغاربة يعرفونهم حق المعرفة، لكن عندما انتهيت من قراءة ذلك المقال الحوار لم أتردد لحظة في أن هذا الرجل هو الذي لا يعرفه المغاربة معرفة جيدة لأنه يردد تهما صيغت في سراديب وأقبية لتلطيخ سمعة مفكرين شرفاء حافظوا على نظافة السيرة والطوية سرا وعلانية، داخل المغرب وخارجه، وأن أسماءهم على رأس اللائحة السوداء لجهات أجنبية لا تريد الخير للمغرب والمغاربة والعرب والمسلمين، وتريد أن تعمي أبصارهم وتفقدهم الثقة في النخبة المثقفة النظيفة المجاهدة بقلمها وفكرها وبعد نظرها. الغريب في كل هذه المسرحية المفضوحة أن سؤالا ضخما ينتصب أمام من يردد هذه التهم وأمام الصحيفة الناشرة، وهو سؤال من يقف وراء كل هذا؟ ولمصلحة من؟. وما سر هذه الاتهامات في توقيت دقيق للغاية يشهد توجها عاما نحو الإجماع الوطني وطي صفحة الماضي اتقاء للشقاق وذهاب الريح والضعف الوطني. إن لهذا السؤال عدة احتمالات،لا نريد التكهن بإحداها لكن الأيام القادمة كفيلة بترجيح أحد الاحتمالات. حسن السرات
المصدر: التجديد نشر في التجديد

