سألته: الإنسان حيوان بيولوجيا، أليس كذلك؟ قال: “بلى” قلت: “وهل هناك فرق بين عناصر الحيوانية فيه وبين غيره من الحيوان”؟ قال: “هي فروق تقتضيها طبيعته باعتبار فصيلته” قلت: إذا ما الفرق بينه وبين الحيوان؟ يزيد على الحيوان بصفات هي التي تحدد آدميته، فهو حيوان عاقل، ومن ثم فهو مفكر، وهو حيوان ناطق، ضاحك، باك، صانع، سياسي.. قلت: “ألم يتضح لك من خلال تجاربك، على الأقل، أنه حيوان آثم…؟! فهز رأسه موافقا، ثم قال: هو كذلك، ولكن، ترى، من أين نزلت عليه هذه اللعنة؟ أهمي من عناصر حيوانية، أم من أصل ادميته؟ قلت: إنها ناتج اتحاد العنصرين معا. ولكن الناس ليسوا كلهم آثمين!! قلت: ومن أدراك؟ ولكن الآثام تتفاوت بينهم تبعا لنتيجة الصراع الذي يحياه كل منهم بين صفات إنسانية، وعناصر حيوانية، إنه الصراع الزلي الذي رفع قوما إلى أعلى درجات الأنبياء وأنزل آخرين إلى أدنى درجات الشياطين. إنه المرآة التي ظلت تعكس الصور المختلفة والمتباينة لهذا المخلوق العجيب الإنسان الذي يجمع صفات كل الفصائل الحيواني، فهو الأليف، الرفيق، الحنون، المعين، اللبق، وهو الجسور، الكاسر، الممتنع، الحاقد، اللدغ، الخشن،..إنه جملة من المتناقضات التي يقل الصراع بينها حينا ويكثر أحيانا، ليس زغبة في إقامة التصالح والتساكن والانسجام. ولكن يحدث ذلك كلما تغلب عنصر على آخر، فكلما تغلب عنصر الآدمية ارتقى هذا الإنسان، فقل إثمه حتى ليكاد ينمحي؛ وكلما انتصر عنصر الحيوانية بغى في الأرض مستعملا دهاء الإنسان في حاجاته الحيوانية فيعتلي إثمه أفعاله في نفسه وجوارحه، وفي كل الحالات هذه، كان الصراع داخليا يجعل النفس تفيض من القلق فتخرج ما فيها على شكل آداب وتأملات قد ترتقي إلى درجة التفلسف لتكون من ثم معينا للفكر والأدب. وتبقى الآثام مع هذا كلاه محجوبة إلى حد ما، محدودة في دائرة المعاملات. وينتقل الإنسان تلك النقلة النوعية في مجال العلاقات فينتقل ذلك الصراع خارج ذاته وتفتضح همومه وآثامه وتبرز اماله وطموحاته في صور شتى. وفي الوقت الذي يستغل فيه زفراد مجتمع ما هذا الظرف فيتعاونون على تغليب الجانب الإنساني، نرى مجتمعات أخرى قد طغى عنصر الأنانية أهم عنصر حيواني بين زفرادها وصار مقياس السلوك فيها مبنيا على أساس واحد هو ما تحدده العلاقات من منافع خاصة. فانسلخ إنسان هذه المجتمعات من مبادئه الإنسانية السمحة، ليجعل من ذلك الصراع الذي انتقل خارج ذاته صراعا أبديا تحولت معه بعض النفوس لتدافع بالمثل عن نفسها في محيط عفن آثم، عمته الخيانة والاستغلال، والحقد والكذب، وهكذا انشغل البعض بالخبز والماد، وانشغل البعض الآخر بالذهب والحرير والنعيم المقيم، وفي نفس كل منهم تجاه الآخر آثام يعلم الله مداها حتى إذا ما قضى أحد من الطرفين، قضى وفي نفسه شيء من الحقد واللعنة على صاحبه. ألا ترى في ذلك إثما كبيرا؟ امحمد الإدريسي
المصدر: التجديد نشر في التجديد

