ارتبطت جدلية الكتابة والذاكرة بفكرة استدعاء إحداهما للأخرى كضرورة للاستمرار في الزمان، لكن الكتابة حين ترتبط بالذاكرة الجمعية، فإنها تصبح وثيقة تؤرشف للتاريخ أيا كان نوع هذه الكتابة، وتصبح شاهدا على العصر حين ترتبط، تحديدا، بذاكرة الألم.
من هذه الزاوية انطلق ذ.علال ركوك خلال تسييره لندوة «الكتابة والذاكرة الجماعية» بمشاركة الشاعر والمناضل السياسي صلاح الوديع والباحث الأستاذ بجامعة محمد الخامس عبد الفتاح الزين ، والتي عرفت تدخلات عالية التوتر والحدة، معتبرا أن جدلية الكتابة والذاكرة تجد تفسيرها في خضوع الأولى للثانية فتسهم بذلك في إحياء الذاكرة واستمرارها في الزمان، وخضوع الثانية للأولى فتدعو بذلك الى الكتابة. ربط صلاح الوديع حديثه عن مجال الذاكرة، بالحديث عما يسمى بالذاكرة الصعبة أو ذاكرة الألم، وهي ذاكرة ارتبطت بتاريخ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وهي الممتدة بين 1956 و1999، معتبرا أن ما يسم هذه المرحلة هو ارتباطها بأشكال المعاناة لدى الأوساط والفصائل المعارضة للنظام السياسي آنذاك، ولدى الشباب الملتزم سياسيا دون إغفال الصراعات الداخلية وسط الحركة الوطنية بعد الاستقلال وأشكال العنف اللادولتي الذي ساد لفترة بين صفوفها، محيلا على جلسات هيئة الانصاف والمصالحة التي تشكل أيضا جزءا من بداية أرشفة هذه الذاكرة المؤلمة. الوديع اعتبر أن بداية الكتابات المؤرخة للذاكرة الجمعية انطلقت في التسعينات مع ما عرف بأدب السجون، والذي تمثل في عدة فروع: السرد، الشعر، الرواية وهو أدب ساهم فيه وأغناه، أيضا، أدباء لم يعيشوا تجربة الاعتقال، ما اعتبره إضافة مثرية لمحكي الذاكرة، والذي بلغ 60 كتابا بتنوعها الادبي، مشير ا الى أن إحدى ندوات هيئة الانصاف كان محورها هو استجماع هذه الادبيات التي تؤرخ للمرحلة دون إغفال الجانب العلاجي أو جبر الضرر النفسي عن طريق الكتابة التي لها قيمة توثيقية، باعتبارها كتابات تأريخية واسترجاعية، معتبرا أن هذا لا ينزع عنها قيمتها الأدبية خصوصا أن بعض الاعمال شكلت علامة فارقة في تاريخ الرواية. من جانبه لم يعتبر الاستاذ عبد الفتاح الزين أن العمل السياسي وحده من كان مستهدفا من حملات القمع والتضييق خلال سنوات الرصاص، بل إن المشروع الثقافي الذي كان يحمل في طيه مشروعا اجتماعيا مؤسسا على قيم الحداثة والتنوير كان هو المستهدف الأول، وهو ما يفسر هذا الانحسار الثقافي الذي نعيشه اليوم. فالتضييق الذي عانت منه الثقافة والمعرفة العلمية عبر منع العديد من المجلات الرائدة والحامل للفكر النقدي (لاماليف – أنفاس – الزمان المغربي – الثقافة الجديدة ..)، بالإضافة الى التضييق على مسالك البحث الاجتماعي، مشيرا الى أن هذه الحوامل الثقافية كان على هيئة الانصاف الإنصات إليها باعتبارها جزءا من الذاكرة الثقافية، باعتبارها حركت عدة قضايا في تلك الفترة أهمها سؤال الثقافي والسياسي والذي لا يزال يحمل راهنيته الى اليوم، معتبرا أن مجتمعا لا يضع نفسه موضع سؤال هو مجتمع محكوم عليه بالثبات. الزين ركز أيضا على ضرورة الاشتغال على الذكرة الثقافية بتحريض لكتابة على طرق التاريخ أكثر ما دام ان جزءا من تاريخها كتبه الاستعمار ، وهو المشروع الذي يشتغل عليه داخل الجامعة ويعتبره إغناء لتجربة الكتابة لأنه يفتح أمامها آفاقا في المعرفة كانت مقموعة في شقها المتعلق بالفكر النقدي. وهي الجلسة التي شهدت توترا ومشادات حول التاريخ الاسود للمغرب السياسي او ما عرف بسنوات الرصاص.
المصدر: حفيظة الفارسي نشر في الاتحاد الاشتراكي

