تحول عبد الإله بنكيران في لمح البصر إلى معارض شرس لحكومة عبد الإله بنكيران، ودون سابق مقدمات أعاد رئيس الحكومة
عقارب
الساعة إلى الوراء حين كان يجلجل هو وجماعته داخل قبة البرلمان وهم يعلنون القطيعة مع المجتمع، حيث يبدو أن الحنين أخذ يهز بنكيران ليمارس ذلك الشغب الذي كان يمارسه أيام زمان، والذي لم يجده وهو داخل الحكومة يجلس على مقعدها الوثير ويركب سياراتها الفارهة، ويضرب له الموظفون “تعظيم سلام”. ولأنه شتان بين الأمس واليوم فقد قرر بنكيران خلق نوع من المصالحة بين الشيء وضده، بشكل لا يمكن أن يستقيم إلا في رأس رئيس الحكومة المعارض، وقد يأتي يوم يدلي فيه رئيس الحكومة بتصريح ونقيضه، فقط ليرضي غروره. ولم يجد بنكيران غضاضة في كثير من المرات من انتقاد نفسه بشكل جعله أشبه بالدونكيشوت، فلا هو تمكن من عيش الواقع الذي وجد فيه نفسه، ولا هو أراد الانسلاخ من واقع عاشه من قبل، لذلك خلقت كثير من ممارسات بنكيران الشك لدى المواطنين، فهم تارة أمام رئيس الحكومة وتارة أمام زعيم الأغلبية، تارة يلبس قبعة الحاكم وتارة قبعة الزعيم الحزبي الذي لا يشق له غبار، وهو بذلك يحلم أن يجمع النقيضين، ضدا على نواميس الكون، وقوانين الطبيعة. لقد انتقد بنكيران ضمنيا الدستور، واتخذ قرارات لا شعبية وحارب المغاربة في أرزاقهم ودافع ولو صوريا عن الفقراء، ووعد بمنحهم أموالا كل شهر ثم تراجع عن القرار، وعنف المعطلين وتضامن معهم، ولوي ذراع المؤسسات المالية، وفرض كثيرا من العراقيل والمطبات، بشكل أصاب الوضع العام بالغموض. وكما تفعل المعارضة دائما لا يتوانى بنكيران في رفع عقيرته منددا بالفساد، وداعيا إلى تبني مقاربات إصلاحية مع أنه ووفق الدستور الجديد الذي يملك صلاحيات اتخاذ القرارات التي يمكنها أن تساهم في وقف كل مظاهر الفساد، كما أنه انتقد صندوق المقاصة واعتبره ملفا لكنه لم يقدم ولو وصفة ناجعة لإصلاحه، فتحول إلى معارض يكشف الاختلالات والمشاكل ويترك حلها للزمن، وهي عادة بنكيران منذ تولى مسؤولية تدبير الشأن العام، فهو يتزعم المعارضة بل ويسطو على أدوارها ضدا على الدستور، لكنه في الوقت نفسه يرفض التنازل عن وضعه الجديد رئيسا للحكومة، حتى وإن تنازل عن كل صلاحياته، بدعوى وجود الفلول والتماسيح والعفاريت وهي لغة وجد بنكيران أنها الحل الوحيد الذي سيمكنه من تفادي المساءلة الشعبية، حيث غالبا ما يختبئ وراء مفردات لا وجود لها في قاموس السياسة. لقد أثبت بنكيران أنه يريد الزبدة وثمنها، يريد الحكومة والمعارضة، ويريد زعامة الحزب ورئاسة الحكومة، يريد أن يتظاهر في الشارع ويقمع تلك الخرجات، يرغب في أن يلبس ثوب الرجل الثوري المشاكس، وثوب الحاكم الذي يبيع الوهم للمواطن، وفي المساء ينزع العباءتين دون وخز الضمير. هذا هو رئيس الحكومة المعارض، الذي لا يقبل أن يرتفع صوت فوق صوته داخل قبة البرلمان، ويريد أن يصطف رجال الشرطة في الشارع لإفساح الطريق أمامه مادام رئيسا للحكومة.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

