بين الوسع الصادق والوسع الكاذب إن للمعاني الشائعة بين الناس في مسمى الأشياء جناية عظيمة على الحقائق الشرعية. ومن ذلك مسمى “الوسع” الذي شاع في تداول الناس على غير حقيقته، إذ أصبح عنوانا للعجز والكسل وترك الواجب وفعل المحرم. والتقاعس في أداء الأعمال والواجبات الحياتية في واقع الناس. ويستشهد بالآية الكريمة في غير موضعها، قال صاحبي وهو يحاور أحدهم: إن الله جعل الصلاة كتابا موقوتا وأنت جالس لغير حاجة ولا عذر شرعي ولا تؤدي الصلاة لوقتها. فأجاب: >لا يكلف الله نفسا إلا وسعهاأتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير< قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في أثرها: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) البقرة 285. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال: نعم (ربنا لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) قال: نعم (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قال: نعم (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) قال: نعموفيه أن المرء يبلغ بنية أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل). فانظر إلى مال هذا الذي يتحرق قلبه وتفيض عيناه أن منعه العذر القاهر من أداء واجب الجهاد فنال أجر المجاهد وهو قاعد معذور، وانظر إلى من لم يحل بينه وبين العامل الجاد المثمر إلا أهواء النفس والعجز والكسل والتقاعس وضعف الإحساس بعظيم المسؤولية. إن الاستطاعة والوسع الصادق وبدل الجهد الممكن المقدور عليه هو بناء وجب الاجتهاد في اتمامه، وكلما أحس المومن أنه لم يبدل الوسع إلا وعاد إلى نفسه يذكرها بأن يومه وجب أن يكون أفضل من أمسه وغده وجب أن يكون أفضل من يومه، حتى يكون حاله مع الوسع في ازدياد وعزم لا في تناقص وتراخي. وكل من استفرغ الوسع نال الثواب. والثواب حافز من حوافز بدل الوسع. وحافز آخر هو أن يحس أن التكاليف داخلة في طوقة كما يقول سيد قطب في تفسيره في ظلال القرءان ولو لم تكن داخلة في طوقة ما كتبها الله عليه، فإذا ضعف مرة أو ثقل العبء عليه، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهم همة جديدة للوفاء، مادام داخلا في مقدوره! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق (9) ارفع همتك يا من أحس بالضعف وعاود الكرة إلى السمو واشحذ عزيمتك، واعلم أنه من أراد المعالي سهر الليالي وخالف الهوى وجعل أكبر همه رضى الله ونيل الدرجات العلى من الجنة، والإرادة العازمة بها فرق الله بين أهل الجنة وأهل النار فقال سبحانه: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فأولئك كان سعيهم مشكورا) الإسراء 18 19. السعي المشكور هو ما بدل فيه الوسع المقدور عليه والسعي المذموم هو من تمنى صاحبه على الله الأماني وعجز بإرادته عن السير إلى الأفضل والأحسن، فكانت له فترة مهلكة كما في الحديث: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك) الترمذي. فإذا فترت وضعفت وانكسرت وقصرت فلا تكن فترتك إلى خارج السنة أو بعيدا عنها، بل يجب إن تلزمك السنة حتى في حال الضعف والتقصير، ومن خرج عن السنة حين ضعفه بعد شدة فقد هلك. فاللهم ارزقنا صدق الوسع وبدل الجهد والازدياد في الخير والمجاهدة وباعد بيننا وبين الوسع الكاذب فإنك لا تكلف نفسا إلا وسعها واغفر لنا تقصيرنا. 1 الإتقان في علوم القرآن: ج 1 ص 82 وما بعدها (بتصرف) 2 صحيح مسلم كتاب التفسير باب في قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه…) 3 صحيح مسلم، كتاب الإيمان 4 تفسير ابن كثير ج 1 ص 343 5 الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 429 6 تلبيس إبليس في معنى التلبيس ص 38 7 تفسير التحرير والتنوير محمد الطاهر بن عاشور ج 3 ص 135 8 الفتاوى ابن تيمية ج 10 ص 409 9 في ظلال القرءان سيد قطب ج 1 ص 344 345 ذ. عبد الجليل الجاسني
المصدر: التجديد نشر في التجديد

