في الجولة المغاربية الأخيرة لبيتر رودمان، مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي، برز تصميم قوي للإدارة الأمريكية على أمرين، العدوان على العراق وعولمة الإرهاب، وهو تصميم لا تثنيه الاعتراضات المتنامية من طرف الشعوب، ولا يفت فيه الفقر الشديد في الأدلة، كما لا يعوزه اختلاف وإنتاج الديباجات والمبررات المطلوبة لتسويته.
فعلى الرغم من أن موضوع العدوان على العراق لم يكن محور زيارة رودمان للمغرب بداية هذا الأسبوع، كما صرح في الندوة الصحفية مساء أول أمس بمقر السفارة الأمريكية ، فإن زيارته للرباط وقبلها إلى كل من تونس (حيث انعقدت دورة البعثة العسكرية التونسية الأمريكية المختلطة) وبعدها الجزائر ، كانت محطة لشرح أبعاد المواقف الأمريكية اتجاه العراق و”تبادل وجهات النظر” إزاء الاستعدادات الجارية لشن حرب عليه، فضلا عن الاستضافة في اللقاء الصحفي في الحديث عن ملف العراق والمصادر العديدة للأدلة حول خروقات النظام العراقي لقرارات الأمم المتعددة، رغم أن إدارة بوش عجزت لغاية اليوم عن إشهار دليل واحد أو على الأقل تقديم مساعدة فعلية للمفتشين، حتى يصلوا بسرعة إلى مخابئ أسلحة الدمار الشامل بالعراق، وفي المقابل انفضحت شبهات حول تورطها في رشوة خبراء عراقيين فضلا عن سعيها لإيجاد الأدلة عبر استنطاق العلماء العراقيين. الواضح أن الحرب قادمة، سواء كشف المفتشون عن وجود أسلحة دمار شامل، أم لم يكشفوا عنها، والسؤال اليوم، هو مابعد العراق؟ وما المطلوب من الشعوب العربية والإسلامية أن تقوم به في مواجهة هذا العدوان المتكرر؟ أما الأمر الثاني، فهو الإصرار المستميت على عولمة الحملة على “الإرهاب”، وإدماج كافة الدول، ولاسيما أنظمة المجال العربي الإسلامي، في اعتماد كافة السياسات والإجراءات القانونية والأمنية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وإرباك أولويات هذه الشعوب، وجعل إمكاناتها مسخرة في هذه الحرب، بل وتعطيل عملية التطور الديموقراطي داخلها، مثل ما يقع حاليا في بلادنا، من عودة شرسة لعهد الاختطافات والمداهمات الليلية والتعذيب وطبخ الملفات وتجاوز المبادئ الأولية في ثقافة حقوق الإنسان. لقد لاحظ حضور اللقاء الصحفي كيف أن رودمان لم يستطع أن ينفي أو أن يؤكد وجود تنسيق بين الاستخبارات الأمريكية ومثيلتها المغربية في التحقيق مع المعتقلين سواء كانوا في غواتنامو أو في المغرب، كما أنه لم يستطع الإفصاح عن أبعاد التعاون الأمني والعسكري بين المغرب وأمريكا، هذا التعاون الذي يصفه المسؤولون الأمريكيون بأنه استثنائي ومتميز بالرغم من الهزالة الشديدة لغلافه المالي، والذي لا يتعدى الخمسة ملايين دولار التي لا تكفي حتى لتمويل شراء بضعة دبابات. الخلاصة، هي أن ما نتابعه يوميا، من تطورات في مجال الإملاءات الأمريكية حول الحرب على “الإرهاب” وانعكاساتها على حالة الحريات العامة بالبلاد العربية والإسلامية، نموذج حي على طبيعة الديموقراطية التي ترغب أمريكا في تصديرها إلى العالم العربي وتربية أطفاله عليها، للأسف نجد أن الوعي بذلك لم يستطع أن يتبلور في شخص فعل مدني وحقوقي مقاوم. مصطفى الخلفي
المصدر: التجديد نشر في التجديد

