حسب العرف الذي تسير عليه محكمة الاستئناف بالرباط في تنظيمها للندوات الشهرية، نظمت ندوة يوم الخميس 30 يونيو 2002، حول موضوع يتعلق بنظام الحالة المدنية بالمغرب وما يعرفه من الإشكالات العملية، وقد شارك فيها مجموعة من رجال القانون ذوي التجربة في التأليف والقضاء مثل المستشارين بمحكمة الاستئناف بالرباط، الأستاذ خالد بنيس والأستاذ عبد اللطيف تجاني، والأستاذ عمر النافعي أستاذ بالمدرسة الوطنية للإدارة، وقد سير الندوة الأستاذ عز الدين السقاط، رئيس غرفة بالمجلس الأعلى.
وقد أثار المشاركون في الندوة مجموعة من الإشكالات القانونية والعملية التي تخص تطبيق نظام الحالة المدنية بالمغرب. فالحالة المدنية هي من جهة نظام إداري ومن جهة أخرى فهي وثيقة رسمية، ملك للدولة، وتعتبر الأساس الذي تنبني عليه مجموعة من الوثائق الأخرى كالبطاقة الوطنية وجواز السفر وغيرها من الوثائق، وما دامت تؤرخ لوقائع هامة في حياة الشخص كولادته ووفاته وتحديد تاريخ ازدياده، فهي وسيلة أيضا للسلطة المغربية لضبط الحالة الاجتماعية والسياسية للأشخاص، وتوفر مادة حيوية للأبحاث والإحصاءات. ومن الناحية التاريخية لم يعرف المغرب نظام الحالة المدنية إلا بمجيئ الحماية الفرنسية وذلك بإصدار ظهير 4 شتنبر 1915 الذي جاء في فصله الأول: >تحدث الحالة المدنية في المنطقة الفرنسية من إيالتنا الشريفة وتكون هذه الحالة المدنية جارية على كافة الفرنسيين والأجانب فقط<. وبالنسبة للمغاربة فقد كان إثبات كل ما يتصل بحالتهم المدنية من نسب وزواج وطلاق ووفاة يتم وفق الفقه الإسلامي وما جرى به العمل في المغرب من استعمال اللفيف. وبالنسبة لظهير 2 شتنبر 1931 فقد سمح للمغاربة بصفة استثنائية ومن غير إلزام الاستفادة من هذا النظام الجديد في نطاقي الولادة والوفاة فقط، ولم يمدد هذا النظام على كافة المغاربة إلا بصدور ظهير 8 مارس 1950، هذه القوانين وغيرها لم تحمل صبغة الإلزامية، لذلك وحسب بعض الإحصاءات فإن 91% من المغاربة فقط هم المسجلون وفق هذا النظام، وأن 57% هم المصرح لهم بالوفيات. وللإشارة فإن هناك عدة أجهزة إدارية تتداخل فيما بينها في مراقبة هذا النظام كوزارة العدل ووزارة الداخلية ووزارة الخارجية. وقد أثارت الندوة كذلك إشكالية تقاطع القوانين المنظمة للحالة المدنية كقانون المسطرة المدنية وقانون الجنسية بالإضافة إلى الظهائر المنظمة لها. فبالنسبة لعلاقة قانون الأحوال الشخصية بنظام الحالة المدنية فقد حدث فصل بينهما، فمضمون هذا الأخيربقي فقط يتعلق بتسجيل المواليد والوفيات، أما الزواج والطلاق فقد ظل إثباتهما خاضعا لقانون الأحوال الشخصية، لذلك يرى بعض الفقهاء أنه من الأحسن الجمع بين القانونين خدمة للأسرة المغربية. وتجدر الإشارة إلي أن المشروع الحالي المعروض على أنظار البرلمان سيعمد إلى إضافة الحالة الاجتماعية للشخص (متزوج مثلا) على جانب رسم الولادة، وكذا الأمر بالنسبة للمكفول، وستكون لوثيقة الحالة المدنية قوة إثباتية كباقي الوثائق الرسمية باستثناء إثبات النسب فسيبقى خاضعا لقانون الأحوال الشخصية. وقد تعرض المشاركون في هذه الندوة إلى الدور الهام للنيابة العامة في مراقبة الحالة المدنية بالمغرب، وعليه فإن العمل القضائي أعطى لها صفة الطرف الرئيسي في جميع القضايا المتعلقة بالموضوع، كما أن وكيل الملك له اليد الطولى على الوثيقة المذكورة وكذلك متابعة ضابط الحالة المدنية ومراقبة السجلات. وبالرجوع إلى الباب الثالث من قانون المسطرة المدنية الخاص بالمساطر المتعلقة بالأحوال الشخصية، نجد الفرع السابع منه يتعلق بالتصريحات القضائية المتعلقة بالحالة المدنية وتصحيح وثائقها، والتي تعطي للنيابة العامة دورا هاما في كل عملية تخص الحالة المدنية. وقد تناول الأستاذ عمر النافعي في عرضه إلى مناقشة بعض مضامين المشروع الحالي لقانون الحالة المدنية المعروض على البرلمان. وقال بأن هذا المشروع سينص على إلزامية تصريح وتسجيل جميع المواطنين، وسيكون هناك نظام واحد للحالة المدينة بالنسبة لجميع المغاربة. وقد أبدى بعض الملاحظات حول المشروع كعدم إشارة هذا الأخير لعديمي الجنسية وفصله بين الأحوال الشخصية والأحوال المدنية وغيرها من الملاحظات القيمة، وقد كانت مطالبة بعض المتدخلين بضرورة الإسراع بإخراج هذا القانون الجديد إلى حيز الوجود. وقد أغنت هذه الندوة مداخلات الحاضرين واستفساراتهم وطرحهم لبعض المشاكل العملية التي تحتاج إلى علاج قانوني. عمر العمري
المصدر: التجديد نشر في التجديد

