إيحاءات متجددة ومجالات متنوعة تلك التي تسعفنا آيات الذكر الحكيم من ارتيادها والتفكر فيها، وعلى هديها، وبنورها، والاسترشاد بكريم عطاءاتها الفكرية والأخلاقية، عند النظر وتدقيق الملاحظات، ومن ذلك الآية العظيمة التي تندرج في إطار وصية لقمان لابنه وهو يعظه، والتي يقول فيها الحق سبحانه على لسان الرجل الصالح:”واقصد في مشيك”.
و”اقصد في مشيك “آية تأتي مباشرة بعد النهي عن المشي في الأرض مرحا، أي في تخايل وقلة مبالاة بالناس، وهي حركة كريهة يمقتها الله ويمقتها الخلق. والقصد هنا من الاقتصاد ،وعدم الإسراف، وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والاختيال، ومنه أيضا الهدف والوجهة، لأن المشية القاصدة إلى هدف لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق. وبانتقالنا من المشية الهادفة المتئدة المحسوسة على الأرض إلى نظيرتها المعنوية المتجهة نحو مختلف المناحي والاهتمامات الإنسانية المتنوعة، نجد من الأجدر لكل راع يستشعر ثقل المسؤولية المنوطة برقبته، أن يستخلص الدروس والعبر من هاتين الكلمتين النفيستين، فيتجنب: -التسرع في التقرير والتنفيذ وإصدار الحكم، لأنه مجلبة للخطأ والبلوى وعدم التركيز والانتباه. -الحيرة وعدم وضوح الأهداف ناهيك عن عدم تحديدها، أو تحيينها تبعا للمستجدات والمتغيرات، ومعلوم أن ضبابية الهدف في ذهن المرشد يسبب له ولغيره اضطرابا في السير، وتعثرا في الخطو، وزيغاعن الطريق الموصلة إليه. -التبذير في المال والوقت والجهد وبالتالي إضاعة هذه النفائس فيما لا يرضي الله ولا ينفع الناس، وتكبر المأساة في حال بلد يعيش أزمات في عدة مواقع من بينها: التشغيل، الاستثمار، الفلاحة المتأثرة بالجفاف، وتكثرالأمية،و الطفولة المحرومة… وهي مشاكل مفتوحة على احتمالات أسوأ، نسأل الله أن يقي بلدنا شرها وينعم علينا برحمته. كما أن هذا الأمر الإلهي العظيم يدفعنا إلى الاقتصاد في الجهد باعتماد منهجية العمل القليل المركز ذي النتائج الكثيرة الفعالة، ولا يتحقق ذلك إلا بإعادة تنظيم مسيرتنا في مختلف دروب الحياة. -التواضع والبعد ما أمكن عن مظاهر الخيلاء والأبهة، التي تستنزف الإمكانيات المحدودة، وتزكي مسلك النفاق والكذب، وتجعله عملة مقبولة التداول بين الناس، وهذا حال العديد من مؤسساتنا التي تنافست في الواجهة الخارجية لعمرانها وديكوراتها الداخلية وكتاباتها المتبرجة بالزينة، دون الحديث عن سلوكيات أخرى، بل الأمر متروك للقارئ اللبيب لملامسته في الوسط الذي يحيى فيه. واقصد في مشيك : أيها الراعي المسؤول عن رعيته في مختلف المواقع والجبهات التي حملت أمانتها، اعلم أن هذا الأمر الإلهي يرسم لك منهجية عمل كفيلة بتوصيلك إلى بر الأمان في الدنيا والدين، وبأقل التكاليف وأيسر الجهد، فلا تلتفت عنها ، فإنما الشعارات والله غثاء كغثاء السيل. واقصد في مشيك : يا من اخترت درب الدعوة والمدافعة تقربا لله ونصرة دينه، اهتد بهداها، واقتد بنورها، لأن من شأن ذلك المساعدة على: -التحديد الدقيق للأهداف المختلفة وترتيب أولوياتها. -تركيز الطاقات وتجميع الجهود. -الجدية في العمل وعدم التسرع، والتواضع وعدم التبذير. واقصد في مشيك : أيها الحائر، التائه في معترك الأفكار والنزعات، المغلوب على أمره أحيانا، والباحث عن النور حينا، تناول هذه الوصفة الربانية، وخذ الدواء المسجل فيها، وطبقه لمدة معقولة وخبرنا بالنتائج السارة بإذن الله، على بدنك، وروحك، وفكرك، وسترى في نفسك أثر رحمة ربك الكبير المتعال، والله ولي والتوفيق. عبد الله
المصدر: التجديد نشر في التجديد

