بصورة مفاجئة قررت المصالح القضائية المختصة بمراكش ، العودة بعقارب الساعة إلى لحظة الأحداث المؤسفة التي أغرقت العديد من مناطق وأحياء المدينة ، في بحر من الاضطرابات والقلاقل هددت في حينها السلم الاجتماعي، وأرخت بظلال تبعاتها على العديد من الأسر بمنطقة سيدي يوسف بن علي.
المواجهات الدامية التي أشعل فتيلها غلاء فواتير الماء والكهرباء ودفعت بالساكنة المتضررة إلى الانتظام في أشكال احتجاجية يومية، تطورت إلى مواجهات بين القوات العمومية وجيوش المحتجين، وتسبب في خسائر مادية جسيمة مع تسجيل إصابات متفاوتة الخطورة، وانتهت بفتح أبواب المحاكمة في وجه العديد من المواطنين الذين تم اعتقالهم على خلفية المواجهات وإدانتهم بأحكام سجنية مختلفة كل حسب درجة المنسوب إليه من تهم، صبت في مجملها في خانة «التجمهر المسلح، الإهانة والاعتداء على موظفين عموميين أثناء قيامهم بواجبهم، وتعييب أشياء مخصصة للمنفعة العامة». بمرور الأشهر والسنوات، وبعد مغادرة أغلب المدانين أسوار السجن بقضائهم مدد الحكم، ظل الجميع يستشعر «الحكرة» جراء سياسة «الكيل بمكيالين» التي اعتمدتها كل الجهات في التعاطي مع القضية والتغاضي بشكل متعمد عن مطلب آلاف الساكنة الذي لوحت به في أكثر من مناسبة والمتمثل في المطالبة ب«محاسبة مدير الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء، عن كل الاختلالات التي أدت الى إغراق جيوب المستهلكين، بفواتير خيالية ما أنزلت بها حقيقة الاستهلاك من سلطان»، باعتبار مسؤوليته الكاملة في اندلاع الاحتجاجات والمواجهات. بعض الهيئات الحقوقية والفعاليات المدنية التي تابعت الأحداث عن كثب، وفتحت تحقيقات ميدانية لرسم صورة قريبة من الواقع، لم تتوان بدورها في التلويح بهذا المطلب، عبر تحرير شكايات لمختلف المصالح المختصة لوضعها في صورة ما ظل يجري ويدور برحاب الحضرة لمراكشية ، وكيف «تغولت الراديما» وعملت على ضرب جيوب الأسر الفقيرة بفواتير سريالية لا يقبلها العقل، من قبيل رشق أسرة تقطن بغرفة واحدة بمنطقة سيدي يوسف بن علي بفاتورة حددت واجبات استتهلاك الكهرباء في أزيد من 20 ألف درهم. في زحمة هذه الوقائع والأحداث، تلقفت الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، ما رصده قضاة المجلس الأعلى للحسابات من ضروب الاختلالات والتجاوزات، وتوثيقه لبعض مظاهر الاستنزاف التي ظلت تنخر مالية الوكالة، ما اعتبرته الجمعية دليلا على مشروعية مطالب الساكنة المحتجة باعتبار مسؤولي الوكالة يعملون على تغطية دواليب الهدر والاستنزاف بإثقال كاهل البسطاء بمبالغ خيالية، لا تستقيم وحقيقة استهلاكهم «للما والضو»، وبالتالي تقديم شكاية للوكيل العام ضمنت تفاصيل الهدر والاختلال، وطالبت بفتح تحقيق قضائي مع مصطفى الهبطي بصفته المدير العام للوكالة والمسؤول الأول والأخير عن تدبير وتسيير شؤونها. بقيت الشكاية المذكورة أسيرة غبار رفوف الهيئة القضائية المذكورة، قبل أن تحيلها نهاية الأسبوع المنصرم على المصلحة الولائية للشرطة القضائية بالمدينة ، بتعليمات تقضي بالنبش في كل ما ورد بها من حقائق ومعلومات صادمة. توصل الكاتب الوطني للجمعية باستدعاء من الشرطة القضائية، يطالبه بالحضور صباح يومه الإثنين قصد الاستماع لإفادته في ما تضمنته الشكاية من معطيات وتفاصيل صادمة، توثق لجملة اختلالات وتجاوزات مالية خطيرة، من شأنها أن تعصف برؤوس وازنة ظلت إلى عهد قريب عصية على المساءلة والمحاسبة. بعض مظاهر هذه الاختلالات المالية التي سيتم وضعها تحت مجهر التدقيق والتنمحيص «استفادة موظفين أشباح من رواتب شهرية دون تقديم أية خدمة تبرر تلك الرواتب، واستفادة مدير عام سابق بهذه الوكالة من راتبه الشهري ومن امتيازات أخرى، رغم إعفائه من مهامه على رأس الوكالة لعدة سنوات». ذلك بعض غيض من فيض مظاهر الاستنزاف والاختلال التي قامت الهيئة المذكورة بنزع ورقة التوت عن عورتها، وينتظر أن تطوق أعناق مسؤولي الوكالة وتفتح عليهم أبواب المساءلة والمحاسبة. إسماعيل احريملة
المصدر: الأحداث المغربية نشر في الأحداث المغربية

