رغم النتائج الإيجابية التي تحرزها المقاربة الأمنية عبر تتبع عدد من الخلايا و إفشال عدد من المخططات الإرهابية الموجهة بفكر متشدد، عبرت العديد من الأصوات عن محدودية هذه المعالجة في الحد من خطر الاستقطاب “الداعشي” الذي تكشف المعطيات الميدانية عن نجاحه في استدراج أنصار من انتماءات مختلفة، مما دفع البعض إلى الدعوة لفتح باب المراجعات الفكرية، ومد جسور التحاور المباشر مع التيارات المتشددة قصد تصحيح عدد من الأفكار المغلوطة الناتجة عن سوء الفهم والتأويل الخاطئ للنص الديني … بالمقابل تعلن أصوات أخرى عن محدودية نتائج هذه المراجعات التي يعتبرها بعض المتشددين مجرد “اختيار اضطراري” لحين توفر الظروف المناسبة لترجمة مشروع مجتمعي متشدد.
في الحوار التالي يقدم المفكر والباحث في مجال الإصلاح الديني “سعيد ناشيد”، وجهة نظره حول الأسباب التي تعيق نجاح فكرة المراجعات. هل يمكن استثمار مبادرة المراجعات الفكرية لمحاصرة التيار المتشدد؟ – ما يسمّى بالمراجعات الفكرية، مفهوم تبلور داخل حقل السلفية الجهادية أواخر تسعينات القرن الماضي، لاسيما مصر التي شكلت مركز الثقل المرجعي للفكر الجهادي التكفيري. لا ننس أن أيمن الظواهري طبيب مصري في الأصل وعضو سابق في حركة الإخوان المسلمين، وأن أسامة بن لادن درس الهندسة في القاهرة وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين قبل أن يلتحق بالسلفية الجهادية… وفي مصر أيضا نفذ الجهاد يون أول محاولة انقلابية على رأس الدولة انتهت إلى اغتيال أنور السادات. لكن في عام 1995 تلقى تنظيم طلائع الفتح بقيادة الظواهري ضربة قاضية على يد الأجهزة الأمنية المصرية، وكانت تلك نهاية أكبر مغامرة لسيطرة الجهاديين على الدولة المصرية قبل ما يسمى بالربيع العربي. بعد الفشل أصدر الظواهري كتابه الشهير “فرسان تحت راية النبي” حاول من خلاله الإجابة عن سبب فشل الثورة الجهادية في مصر، مركزا على الظروف الطبيعية والجغرافية المكشوفة وغير المواتية لخوض حرب العصابات في مصر. وهي الظروف التي ظنت الحركات الجهادية الجزائرية أثناء عشرية الإرهاب بأنها مؤاتية لها بالنظر إلى الطبيعة الجبلية للضواحي الجزائرية. عقب فشل طلائع الفتح انطلقت بعض تجارب المراجعات الفكرية، وتوجت عام 1998 بصدور وثيقة مبادرة وقف العنف وتلتها العديد من الكتب فيما سمي بترشيد العمل الجهادي. ثم كانت هناك مراجعات داخل الجماعة الإسلامية الليبية المقاتل عقب فشلها في السيطرة على السلطة وتعرّضها لقمع شرس. وبعد الحادي عشر من شتنبر كانت هناك مراجعات أخرى في الأردن والمغرب والسعودية. وكل هذا نعتبره محمودا، لكن أمامنا خمس ملاحظات حول هذه المراجعات: 1 – أنها كانت ولا تزال في الإطار الفردي، أو في إطار مجموعات ضيقة، ولا أثر لها على الخط الجهادي الراديكالي العالمي ممثلا في ثلاث تيارات كبرى تستقطب آلاف المجندين والداعمين والمتعاطفين : تنظيم القاعدة، تنظيم الدّولة الإسلامية، وتنظيم حزب التحرير. 2 – المراجعات تتعلق بالمواقف السياسية لكن يعوزها التأصيل الفقهي أو الديني، أي تعوزها الرّؤية الإصلاحية الشاملة من داخل الخطاب الديني نفسه؛ فهي لا تقترح مفاهيم جديدة للخطاب الديني، ولا تقترح رؤية جديدة للنص القرآني أو الحديثي، ولا تعير اهتماما لكل التراث الفلسفي سواء الإسلامي أو الغربي. إنها تسمي نفسها مراجعات فكرية، لكنها تبقى على الأرجح مراجعات بلا فكر. 3 – اقتصارها في الغالب على الموقف من الحاكم، وتستثني كل المواقف الأخرى، من قبيل الموقف من المرأة والأقليات الدينية والحريات الفردية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والقانون المدني كتعاقد اجتماعي، ونحو ذلك. وليس يخفى أن الموقف من الحاكم لا يعدّ ثابتا فقهيا بالنسبة للعقل السلفي؛ لأن الموقف قد يتغير بين عشية وأقل من ضحاها، فالأمر مرتبط هاهنا بتقدير موازين القوى، أما “الثوابت” السلفية فتتعلق بأولوية الرجل على المرأة، أولوية النقل على العقل، أولوية ما يسمى بالشريعة على القانون المدني. 4 – لا نسمع بما يسمى بالمراجعات الفكرية إلا داخل المجتمعات حيث الدولة قوية وشروط التمكين غير متوفرة، أما في الدول الواهنة مثل العراق وأفغانستان والصومال وليبيا اليوم، وحيث تتغول التنظيمات الجهادية بكل أطيافها، فلا نسمع بإطلاقٍ عن أي مراجعات. 5 – معظم المراجعات التي بقي أصحابها ضمن الخط السلفي العام لم تصمد طويلا، إذ سرعان ما تم التراجع عنها، مثلا عبد الله العسيري الذي حاول اغتيال الأمير محمد بن نايف عام 2009، قد تبين بأنه من بين المستفيدين من برنامج المناصحة، وقد أجرى المراجعة، وأعلن التوبة. وهذا يثير الشك حول ما إذا كان الأمر يتعلق بمراجعة فكرية، أم بمجرّد تغيير في الأولويات ضمن نفس البرنامج العام؟ هل يمكن تصور نجاح أي مبادرة حوار في ظل حساسية التيار المتشدد الرافض لكلمة “إصلاح”؟ – هم لا يرفضون كلمة الإصلاح، بل يزعمون السّعي إلى إصلاح النفس والسياسة وكل أمور الدنيا، وإنما يرفضون كلمة الإصلاح الديني، يرفضون أن يكون الخطاب الديني أو الموروث الفقهي هما موضوع الإصلاح، لأنهم ينطلقون دائما –وحتى عندما يتعلق الأمر بما يسمى بالمراجعات الفكرية- من أن كل فتاوى ابن تيمية، وكل أقوال ابن حنبل الذي يلقبونه بناصر السنة، وكل ما ورد في الأصحاح وعلى رأسها البخاري الذي يعتبرونه أصح كتاب بعد القرآن الكريم ! يعتبرون أن ذلك كله، بل التراث الفقهي كله، هو بمثابة الدين، إن جادلنا في شيء منه فكأننا نجادل في “معلوم الدين بالضرورة” ! علما بأن الموروث الفقهي، كما أردد دائما، مجرد اجتهاد تشريعي مرتبط بالعصر الامبراطوري، عصر التوسعات الامبراطورية، لذلك كان طبيعيا أن يلبي التشريع الفقهي حاجيات تلك المرحلة ( التوسع، التمكين، الاحتراب، التدافع، الغنيمة، دار الحرب ودار الإسلام إلخ )، أما اليوم فقد انتقلنا إلى عصر الدولة الوطنية، ونحتاج من ثم إلى فلسفة تشريعية جديدة قائمة على دولة المؤسسات والحق والقانون. وهنا تكمن أزمة الخطاب الديني السلفي. لماذا تفتقد الدعوات الإصلاحية لأي صدى عندما تحمل توقيع غير المحسوبين على علماء الدين؟ – هناك مشكلة كبرى في تحديد من هو عالم الدين؟ كنا في ندوة جامعية بإحدى دول الخليج العربي، وما لبث أن احتج علينا أحد الطلبة زاعما عدم وجود أيّ عالم دين ضمن الأساتذة المتدخلين. فوجدنا صعوبة في إقناعه بأن الصديق عبد الحميد الأنصاري، وهو من بين الأساتذة المتدخلين، عالم دين أيضا، باعتباره رئيسا سابقا لإحدى الجامعات الإسلامية المتخصصة في العلوم الدينية، وباعتباره أيضا أستاذا جامعيا سابقا في مادة العقيدة، وباعتباركتبه ومؤلفاته. ولما لم يقتنع بكلامنا، قال له الأستاذ عبد الحميد الأنصاري : أنت يا ولدي تريد أن ترى لحية وعمامة وتسمع كلاما يشبه خطبة الجمعة لكي تقتنع ولا يهمك بعد هذا أن أكون حتى بائع مثلجات أو مصلح دراجات. نعم، هناك مشكلة مستعصية، يكفي أن يضع المرء عمامة ولحية ويحمل سبحة وزبيبة صلاة وغير ذلك من لوازم الشغل حتى ينتصب أمام الناس عالما أو فقيها أو مفتيا في أمور الدين والدنيا، أو صاحب الحل والعقد في كل التخصصات أو تبعا لمقتضيات الأحوال أو وفق “مصلحة الأمة”، فيما تسميه الناشطة والمحللة النفسانية رجاء بن سلامة بالانتصاب الفوضوي. قديما كان يقال : سئل مالك في خمس مسائل فأجاب عن ثلاث وسكت عن اثنين. أو أنه لم يرجح أيّ رأي من الرّأيين. واليوم يجيب الشيخ أبو فلان أو أبو علان عن كل المسائل والأسئلة، من تفاحة آدم إلى تفاحة نيوتن، ومن سفينة نوح إلى سفينة التايتانيك. وهذا هو الدجل بعينيه.
المصدر: سكينة بنزين نشر في الأحداث المغربية

