عقد الرئيس الفرنسي “فرانسوا هولاند” ندوة صَحفية، مساء يوم الثلاثاء 13 نونبر الجاري، بمناسبة مرور ستة أشهر على توليه السلطة في بلاده؛ وقد دامت هذه الندوة ساعتين ونصف الساعة، ونقلت وقائعها كل القنوات التلفزية الفرنسية مباشرة، وكذلك قنوات عالمية، وقد تعرض الرئيس الفرنسي بأسلوب واضح، لا التواء فيه، لكل ما تحقق منذ توليه الرئاسة، كما تحدث عن مشاكل
فرنسا
والفرنسيين، وعما يريد فعله في الأشهر القادمة، ولم يصدر منه أي تهديد للفرنسيين، أو وعد، أو وعيد للمعطلين، والنقابات، والصحافة، وقد كان من الأنفع والأنجع لبنكيران وتلامذته في الحكومة، أن يتابعوا هذه الندوة، أو مشاهدة تسجيلها الكامل، عساهم يتعلمون لغة الخطاب أمام الملإ، بدل الأسلوب الذي يعتمد في حكومة بنكيران، حيث الوزير يتحدث وهو متجهم الوجه، أو الحديث الذي يعتمده رئيس الحكومة في الندوات الصحفية، أو في البرلمان، أو في التجمعات، أو.. قال الرئيس “فرانسوا هولاند” بالحرف، ثم إياك أعني يا رئيس، واسمعي يا حكومة : “إن السياسة ليست مهنة، وإنما هي تجارب وإبداع” وسبحان الله، فإن لغة السياسيين في
فرنسا
، تضاهي أو تشبه لغة أدبائهم، وفلاسفتهم، فيما لغة هؤلاء عندنا، لا تشبه لغة أي أديب، أو فيلسوف، أو مفكّر مغربي أو عربي، وإنما هي كلام يشبه صياح أو حديث الباعة في الأسواق، كما يقول الأديب (عباس محمود العقاد).. قال “هولاند : “إني معجب بشراسة صحافتنا وصرامتها؛ كما أني أحيّي الحدة التي تدافع بها النقابات عن حقوق العمال والموظفين”؛ وقال بنكيران للصحافة عندنا : “هادوك غادي نوض ليهم شي نهار..”؛ أما العمال والموظفون، فقد اقتطع من أجورهم، كما صار يسفّه ويهدد عمل النقابات في بلادنا، وما نشهده من موظفي العدل، يضحّي بهم (الرميد) قبيل عيد الأضحى، ثم اعتصامات، ومبيت للمظلومين في الوزارة، واحتجاجات أمام البرلمان، في أعياد وطنية، من مسيرة خضراء مظفرة، وعيد انبعاث، وعيد الاستقلال المجيد، كل تلك المشاهد النضالية لتذكرنا بنضالات المغاربة ضد الظلم، والجور والطغيان، منذ 58 سنة خلت، ثم يا لها من مصادفة عجيبة ! ثم يا له من تاريخ لا يعيد نفسه ولكنّه يعيد أحداثه ! قال الحكيم “هولاند” : “إن الشغل حق من حقوق الفرنسي المعطّل، ولا يمكن تبرير، أو إقناع الفرنسي، بقلة الموارد؛ هذا ليس شأنه، ونحن عندما ترشحنا كنا نعرف ذلك مسبقا، وأعطينا وعودا، وعلينا الالتزام بها، وسنفي بذلك سنة 2013” وقال بنكيران للمعطلين في المغرب، إن هناك خصاصا في الموارد، وعليكم بالصبر، ولما ضاق الصبر من صبر المعطلين، ونقض بنكيران وعده، ونكث عهده، لجأ إلى أسلوب “عبد الملك بن مروان” يوم وضع المصحف الكريم في الرّف، وامتشق السيف، وضرب الأعناق، وألهبت السياط جلود العباد، الذين كانوا يحضرون حلقاته في المسجد في تفسير القرآن والحديث، قبل أن يصبح بالصدفة خليفة، تماما كما كان بنكيران يفعل، قبل أن يصبح رئيسا للحكومة، ثم يا له من تاريخ، يعيد أحداثه ! قال الرئيس “هولاند” إن كل وزير في حكومته، لا يستطيع خدمة الفرنسيين، مع الالتزام بهذه التوجهات، فلينصرف مشكورا، لأن هذا تحدٍّ ورهان، يجب النجاح فيهما، ثم إن [le déclin n’est pas notre destin]؛ ولكن في حكومة بنكيران وطاقمه المركب “تركيبا مزجيا”، فالعكس هو الصحيح؛ وعندما اجتمع به وزراؤه قبيل العيد، فإنهم لم يأتوه بخطة لحل المشاكل، ولكنهم جاؤوه بإجراء (فاشي)، والفاشية لغةً، معناها “حزمة من العصي” ونحن نعرف ما فعلته عصي حكومة بنكيران في العدل، والصحة، والتعليم، والنقل، والبقية آتية. ثم تطرق “فرانسوا هولاند” للعدالة؛ وأكد على استقلاليتها، باعتبارها ضرورة، وليست اختيارا؛ لأن العدالة كما قال، هي بوصلتنا.. هكذا ونحن نعرف عبر التاريخ، أن وزير العدل، إذا أخطأ، أو صدر منه ظلم، أو تحيُّز، أو شطط، فإنه يمْثل أمام العدالة؛ فهل تتصور حتى في الخيال، أن يمْثل “الرميد” أمام العدالة، رغم الدعاوى التي رفعت ضده؟ الجواب : كلا.. ولماذا؟ لأنه هو العدالة، ثم إن العدالة التي ينعم بها رجال العدالة الآن، لخير دليل، مثلهم مثل رجال الصحة، يطالبون بالسهر على صحة المواطنين، وهم أنفسهم مرضى في واقعهم، وفي أحوالهم، وفي ظروف عملهم، في عهد “وردي” لم يعرف له القطاع مثيلا.. ثم لا تسألني عن التعليم ووضعه الأليم، أضف إليه قطاع النقل، الذي صار ينقل الناس بالجملة والتقسيط، من دار الفناء إلى دار البقاء، ثم “إنا لله وإنا إليه راجعون”… هذه هي العدالة اليوم في بلادنا كجهاز؛ وهذه هي العدالة بمفهومها الشامل، في سائر القطاعات، والميادين، يتشرّبها المواطن، حيثما حل وارتحل في هذا البلد الحر الأمين، وهو ما يذكّرنا بعدالة “فرايسَلَرْ” أيام “هتلر” وعدالة “ديشينسكي” أيام “ستالين”؛ ثم لله الأمر من قبل ومن بعد…
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

