ألقت وزارة الداخلية بحجر كبير في بركة الحريات العامة غير الراكدة أصلا حينما فاجأت الرأي العام بإصدار بلاغ تعلن من خلاله عن منع إنجاز استطلاعات الرأي في هذه الظروف الدقيقة التي تصادف إجراء انتخابات تشريعية عامة.
أسباب النزول تبدو مفهومة ومعلومة، ولكنها قد لا تبرر إقدام الوزارة على هذه الخطوة. نعم، هناك جهات معروفة وغير معروفة تستغل الغياب التشريعي فيما يتعلق بإنجاز وتنظيم استطلاعات الرأي وتنجز استطلاعات رأي مخدومة تمثل وسيلة ضغط غير مشروعة على الناخب وعلى الرأي العام الوطني. ومن يدري قد تكون جهات خارجية وراء هذا العمل الخبيث. ولكن هذا الأمر الهام لا يمكن التعامل معه بالمنع و الحظر. فغياب قانون ينظم استطلاعات الرأي في هذا الصدد من مسؤولية الحكومة التي لم تبادر بإدراج قانون تنظيم استطلاعات الرأي ضمن مخططها التشريعي، ولم تكتف بهذا التقصير بل تجاوزته بأن امتنعت عن التجاوب مع مقترح قانون في هذا الصدد قدمته شخصيا في لجنة الداخلية بمجلس النواب قبل أكثر من سنة و نصف من اليوم. وبذلك فإنه لا يحق لحكومة لم تبد أي اهتمام بهذا الشأن طيلة خمس سنوات من عمرها أن تتستر على عجزها و تعوضه بإصدارقرار يريحها من صداع رأس التشويش على المسار الإنتخابي في البلاد. ثم إن القاعدة القانونية التي تدرس في السنوات الأولى في كليات الحقوق تقول «لا عقاب إلا بنص» وفي هذه الحالة فإن وزارة الداخلية تلوح بالعقاب في غياب النص القانوني الذي ينظم هذا العقاب . والأدهى من ذلك فإن السلطة التنفيذية تعطي لنفسها ما لا يتيحه لها القانون بالتشريع والتنفيذ. لذلك أخال أن الحكومة أخطأت التقدير هذه المرة أيضا بأن تطاولت على القانون، وكان لائقا ومقبولا أن تكتفي بإثارة انتباه وسائل الإعلام و باقي المعنيين بهذا الأمر، أما وأنها منعت فإنها وضعت نفسها في ورطة حقيقية لأنها لن تكون قادرة على معاقبة المخالفين لمنعها لأنه لا يوجد من الناحية القانونية ما يخول لها معاقبتهم، ولا يمكن للقضاء أن يجر فيما ليس من اختصاص السلطة التنفيذية.
المصدر: عبد الله البقالي نشر في العلم

