كان يا ما كان ، حلمت ، أنني نمت، ثم صحوت ، فوجدتني في جزيرة مبهجة غناء تسر الناظرين، يسمونها ا بانما ا : جنة المهربين !
فركت عيني غير مصدق، أأنا في الجنة ، وأين الحور والنفخ في الصور؟! .. قبل أن يلكزني صديق لي كان بجانبي محشورا معي في طابور الداخلين ، وكنت حينها لم تزل في عيني غشاوة الدهشة والعجب مما أرى : ملوك وأمراء، رؤساء وزعماء، دول وحكومات ، جنرالات وأدميرالات ، محامون وأطباء ،شيوخ وقساوسة ، رهبان وكاردينالات ، عرافون وسحرة .. كلهم كانوا هنا ، في الصف يتأبطون تحت أذرعهم ملفات مختلفة الألوان والأحجام ، عابسين ، جديين ، متوترين .. لا تكاد أقدامهم تحمل أجسامهم لفرط التبرم من بطء وقت الانتظار ..ت! سألت صاحبي ورائي وكانت تسبقني امرأة بعد تفرسي في ملامحها الطفولية الغضة تأكدت أنها اأنجلينا جوليب .. أين نحن ، ولم هؤلاء هنا، وإلى أين نحن ماضون ؟ فأجابني وقد تلبسته هو الآخر العجلة .. يدفعني بمنكبيه وصدره حاملا ملفه بيمينه : نحن في البهو غير المستقيم الذي سيدخلنا إن نحن اقتفيناه جنة المهربين .. ومجمع الأثرياء أجمعين ..! فأسرع .. وحث الخطى لعل الأبواب لا تقفل في وجوهنا فنبقى هنا محسورين ملومين ..! عملت بنصيحته وصرت أدفع الأجساد بدوري لعل نبلغ المدخل الكبير.. وكان بابا عظيما يقف وراءه حراس شداد غلاظ .. روس وطاجيك وأرمن وعرب أيضا ..كل يدخل بعد أن يتسلموا منه كتابه وقد أوفوه حقه من التقدير والتعظيم .. دلفت زاحفا وأنا مخطوف اللب زائغ البصر لا ألوي على شيئ .. وما إن دنوت من الحراس حتى باغثني أحدهم بالسؤال : أين ما بيمينك ؟ هززت رأسي مستفهما.. فبادرني آخر : وأين ما بشمالكت؟ ، ففعلت كما مع السابق مستغربا .. وما كان حتى سألت صديقي عن المقصود ، هل كتاب سيرتي الممحو عن لا شيئ يستحق أن يذكر ، أم عن لوح ذنوبي وأخطائي الكثيرة .. فأفادني همسا أن الأمر يتعلق بملف أموالي التي هربتها بعد نهبي بلادا ربتني إلى هنا : إلى ش بانما ش .. أين الصكوك ، أين الرساميل ، ولماذا لا تحمل ملفك معك .. شأني وشأن هؤلاء ؟ حدقت فيه مليا وكنت من قبل في الزحمة لا أتبينه ، وجدته من طينتي ومعدني ، يشبهني إلا أنه سواي ، مغربي ابن مغربي ، يتأبط هو الآخر ملفا ضخما أسود دوني .. فقلت له وقد سمعني القوم فبهتوا : أنا فقير للغاية ، ولا أملك في البنك حسابا .. فمن أين لي لأدخل جنتكم بالرساميل؟! وقبل أن أكمل كلامي هوت لطمة على أم رأسي من يد حارس فيما حملني آخر من وسط حزامي ليرمي بي خارجا ، لا يصلني إلا صوت رجل ذي أنف معقوف وعقال : ما يخالف، أمثاله لا تليق به ا بانما ا .. فردوس اللصوص والخونة .. وجنة المهربين.. ردوه من حيث جاء .. إلى الجحيم!
المصدر: سعيد الوزان نشر في العلم

