إرتبط تاريخ السينما عبر التاريخ بكونه فن من الفنون التي جعلها الإنسان تعبيرا عن واقعه وعلاقاته اليومية، سواء تعلق الأمر فيما بين بني البشر أو بينه و بين الطبيعة من جهة، يسعى من خلالها الإنسان إلى تجسيد صورة مصغرة لواقع يعيشه أكان ذلك يحمل مسرات وأفراح أو الآلام وأحزان و معاناة. ووقوفا عند السينما المغربية التي تحمل نماذج عديدة لرموز و تعبيرات الإنسان عن همومه، فإننا إخترنا ملامسة شكل من أشكال تناول السينما المغربية لأحد الموضوعات التي ضلت على الهامش لقرون عدة، سواء على المستوى اللغوي أو التاريخي الإجتماعي والإقتصادي.
إنه موضوع الهوية و اللغة الأمازيغيتين كوجه من وجوه قضايا المهمشين بالمغرب. حيث إستطاعت السينما أن تتوغل إلى الذاكرة الجماعة للمجتمعات من خلال تناول تاريخها وموروثها الثقافي والإجتماعي وغيره. فأي موقع للأمازيغية كصوت المهمش داخل السينما المغربية؟ وكيف إستطاعت السينما أن تعيد طرح أسئلة الهوية في المغرب؟ و إلى أي حد تناولت السينما الوجه الحقيقي للأمازيغ والأمازيغية بالمغرب؟ في المغرب عرف ولوج الأمازيغية عالم الفيلم والسينما كلغة للتخاطب و التحاور وموضوعا للنقاش تأخرا كبيرا في حقل السينما المغربية، إلا أن ظهورها في عقد التسعينات يعتبر إنجاز تاريخي ذلك أن لا أحد يتخيل بأن السينما الامازيغية ستظهر بهذا الشكل القوي و ذات حمولة ثقافية تحمل رسائل حضارية تسعى لمد جسور التواصل مع جماهير عريضة ظلت مهمشة بسبب عدم استعابها وفهمها للغات الأخرى، هذا وقد حقق فيلم تمغارت وورغ كأول فيلم ناطق بالأمازيغية سنة 1989قفزة تاريخية أعادة الاعتبار لذاكرتنا الشعبية التي تعد كنزا ثمينا، ولم يكن سوى عمل عصامي و نضالي لمخرجين وفنانيين كان همهم الوحيد في تلك الفترة إنتاج فيلم ناطق بالأمازيغية، المحاولة التي فتحت الباب لآخرين لتدوين تراث سائر في الاندثار، كما أن ظهور أول فيلم أمازيغي في هذه المرحلة أي مرحلة بداية التسعينيات لم يخرج عن سياق المد النضالي و ظهور أصوات تنظيمات جمعوية وفاعلين من الحركة الأمازيغية، تطالب برد الإعتبار للغة و الثقافة الأمازيغيتين، وتعد منطقة سوس من أهم المناطق التي إنتعشت فيها تجربة الأفلام الناطقة بالأمازيغية، وحققت تراكما كبيرا رغم العراقيل الكبيرة التي تقف حجرة عثراء في وجه التجربة سواء فيما يتعلق بالجانب المادي أو التقني و تكوين الفنانين و الفاعلين في هذا الميدان، كما لم تكن تعطى أية أهمية من جانب مؤسسات الدولة و باقي الفاعلين في الحقل السينمائي المغربي لتجربة الفيلم الأمازيغي ليكون عنوانها العريض سينما مناضلة بحكم أنها لا دعم لها ببلادنا ، ربما كان ينظر إليها من باب منافس جديد على مستوى الخطاب و الموضوع للسينما المعربة أو الناطقة بالدارجة المغربية، غير أن الفنان و المهتم الأمازيغي استمر في عصاميته وراكم كما كبيرا من تجربة الفيلم الأمازيغي. ولقي إقبالا واسعا لدى شرائح عريضة من المجتمع المغربي وهي سنده الأول في الاستمرار و البقاء، لأنه يعبر عن صوت أغلبية مهمشة في كل مناحي الحياة العامة، و لقي معاملة خاصة في المناطق التي يتحدث فيها باللغة الأمازيغية وقد تأكد لي ذلك بوضوح خلال القافلة التي نظمتها جمعية إسني ن وورغ بالعديد من القرى بالجنوب المغربي حيث رأينا كيف خرجت النساء والأطفال و الشيوخ ترحيبا بالفنان الأمازيغي، ونظرا لغياب الأمازيغية في وسائل الإعلام العمومية حقق الفيلم الأمازيغي تجاوبا كبيرا مع المهمشين في القرى و القبائل و الحواضر الناطقة بالأمازيغية، وإستطاع الفنان الأمازيغي أن يجعل للأمازيغية موقعا في وسائل الإعلام و أن يضع اللبنات الأولى لصوت المهمش في الفيديو والتلفيزيون عبر تناول خصوصياتنا و قضايانا الاجتماعية مثل الفقروالتهميش و معاناة الإنسان الأمازيغي.
المصدر: الحسن باكريم نشر في هبة سوس

