اتخذ المغرب القرار السيادي المناسب في الوقت المناسب، باعتذاره عن استضافة القمة العربية السابعة والعشرين، التي أعلن من قبل أنها ستنعقد في مراكش يومي 7 و8 أبريل المقبل. وقدم المغرب المبررات المقنعة والقاطعة لاعتذاره عن إرجاء حقه في تنظيم دورة عادية لمؤتمر القمة العربي، بشكل واضح وبأسلوب صريح، وفي بيان شجاع، مما يشكل إسهاماً من دولة عضو في جامعة الدول العربية، في إنقاذ النظام العربي من الانهيار، وانتشال الجامعة من الفشل في تحقيق الأهداف التي تأسست من أجلها قبل إحدى وسبعين سنة، على نحو يُعدّ سابقةً في العمل العربي المشترك، تؤكد مصداقية الديبلوماسية المغربية، وارتفاعها إلى المستوى الراقي الذي يعطي للعمل السياسي في إطار منظمة إقليمية، القيمة الحقيقية له، لارتباطه بالمصالح الحيوية للشعوب العربية، وبمستقبل الدول الأعضاء الاثنتين والعشرين.
لقد كشف المغرب الحقائق التي لا تجرؤ جامعة الدول العربية على مجرد الاقتراب منها وبله الاعتراف بها. فقد جاء في بيان وزارة الشؤون الخارجية والتعاون إنه (أمام غياب قرارات مهمة ومبادرات ملموسة يمكن عرضها على قادة الدول العربية، فإن هذه القمة ستكون مجرد مناسبة للمصادقة على توصيات عادية، وإلقاء خطب تعطي الانطباع الخاطئ بالوحدة والتضامن بين دول العالم العربي). وهذه الصراحة المتناهية والمكاشفة الجريئة هما اللتان أكسبتا القرار المغربي المصداقية، وجعلتا منه قراراً بالغ الأهمية عالي القيمة. ولم يكتف المغرب في بيانه بالعناوين، وإنما دخل في صلب الموضوع، فوصف المرحلة التي يمر بها العالم العربي بالمرحلة العصيبة، وبأنها ساعة الصدق والحقيقة التي لا يمكن فيها لقادة الدول العربية الاكتفاء بمجرد القيام مرة أخرى بالتشخيص المدير لواقع الانقسامات والخلافات الذي يعيشه العالم العربي، من دون تقديم الإجابات الجماعية الحاسمة والحازمة لمواجهة هذا الوضع. ونظراً إلى هذا الواقع المنهار والمهدد بمزيد من الانهيارات، ونظراً إلى التحديات الضخمة والخطيرة التي يواجهها العالم العربي اليوم، فإن القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع مناسباتي، كما عبر البيان المغربي. وتأسيساً على ذلك (فإن الظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمة عربية ناجحة، قادرة على اتخاذ قرارات في مستوى ما يقتضيه الوضع، وتستجيب لتطلعات الشعوب العربية). وهذا استنتاج دقيق يعبر عن الوعي العميق بالمتغيرات التي يشهدها العالم العربي، ويؤكد أن البوصلة التي يستخدمها المغرب لاستشراف معالم الطريق أمامه، سليمة، ودقيقة، لا تخطئ الهدف. إن هذه المبررات القوية والدواعي الصريحة والأسباب المقنعة التي ساقها المغرب لاعتذاره عن استضافة القمة العربية، هي في حقيقة الأمر، مؤشرات إلى فشل جامعة الدول العربية الذي كرّس انهيار النظام العربي الإقليمي، لفقدانه للقيمة المضافة التي تكسبه المشروعية المستندة إلى ميثاق الجامعة، والمعتمدة على ميثاق الأمم المتحدة ، باعتبار أن الدول الأعضاء في الجامعة، هي دول ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة . باستثناء دولة فلسطين لأسباب معروفة. لقد انهار النظام العربي بانهيار الأوضاع في عدد من الدول العربية بشكل خطير، وبدخول دول عربية أخرى مرحلة التدهور والتخبط وانعدام الأمن، وبسيطرة الممارسات غير القانونية التي تَتَنَافَى وروح الميثاق ومبادئ حقوق الإنسان في دول أخرى، وبالمخاطر التي تهدد الأمن القومي لدول عربية فاعلة تتحمل مسؤوليتها في تعزيز الوفاق والتضامن العربيين. فأي معنى إذن يبقى للعمل العربي المشترك إذا كانت الأوضاع العربية بلغت هذا المستوى من الاضطراب والاختلال والتمزق؟. وأية قيمة لأية قمة عربية تعقد في ظل هذه الظروف العصيبة؟. وأية قرارات يمكن أن يتخذها قادة الدول العربية وتكون فيها مصلحة محققة للشعوب العربية؟. وهل تكون القمة العربية غاية في حد ذاتها، أم وسيلة فعالة للوصول إلى تحقيق غاية سامية تجتمع حولها الدول الأعضاء؟. إن القرار السيادي المغربي أجاب بمنتهى الصراحة عن هذه الأسئلة، وحسم المغرب الأمر بها وأبرأ ذمته من أن ينساق مع الأوهام التي غرق فيها الآخرون. وبذلك أثبت المغرب أنه وفيٌّ منتهى الوفاء لميثاق جامعة الدول العربية، وأنه الدولة المسؤولة عن قراراتها والحريصة على أن تنأى بها عن فقدان المصداقية. لأن القرارات التي تتخذها الدول تعبر عن سيادتها، فإذا كانت هذه القرارات ليست ذات جدوى ولا تلبي تطلعات الشعوب، اهتزت هذه السيادة، وفقدت الدول مصداقيتها. ولذلك كان المغرب حريصاً على التأكيد القوي والصريح على اختياراته ومبادئه وانتمائه ووفائه لميثاق جامعة الدول العربية. وقد جاء البيان المغربي متضمناً لهذه الالتزامات، إذ شدد على القول (إن المغرب لا يريد أن تعقد قمة بين ظهرانيه من دون أن تسهم في تقديم قيمة مضافة في سياق الدفاع عن قضية العرب والمسلمين الأولى، ألا وهي قضية فلسطين والقدس الشريف. وإن المغرب وكجميع الدول العربية الشقيقة، يتطلع إلى عقد قمة للصحوة العربية، ولتجديد العمل العربي المشترك والتضامني، باعتباره السبيل الوحيد لإعادة الأمل للشعوب العربية، مؤكداً أن هذا هو ما ألهم المساهمة البناءة والدور المشهود به للمغرب في دعم المسار السياسي بليبيا، والذي أفضى إلى اتفاق الصخيرات التاريخي وتشكيل حكومة وحدة وطنية). وليس الاعتذار عن استضافة القمة العربية يعني أن المغرب سينأى بنفسه عن دعم العمل العربي المشترك، بل إن المغرب سيواصل وكما جاء في البيان عمله الدؤوب في خدمة القضايا العربية العادلة، ومحاربة الانقسامات الطائفية التي تغذي الانغلاق والتطرف، ومن أجل تطوير دور جامعة الدول العربية كمحفز للمشاريع المجتمعية الكبرى. لن ينسحب المغرب من ساحة العمل العربي المشترك، على الرغم من التدهور الخطير الذي يمر به العمل في إطار جامعة الدول العربية، وعلى الرغم من اقتناعه بلاجدوى الدور الذي تؤديه هذه الجامعة التي باتت رهينة اعتبارات واختيارات وسياسات لا تخدم المصالح العليا للشعوب العربية. فمنذ أن انضم المغرب إلى جامعة الدول العربية في سنة 1958، وهو العضو العامل المشترك والمؤثر في العمل العربي المشترك، على امتداد المراحل التي قطعتها الجامعة، حتى خلال تلك المرحلة الحالكة التي كان فيها الأمين العام لجامعة الدول العربية يقوم بدور الموظف السامي الملحق بالقصر الرئاسي في دولة المقر، أو في بغداد في عهد صدام حسين الذي أرغم قادة الدول العربية على نقل الجامعة إلى تونس وعلى طرد مصر في عهد الرئيس محمد أنور السادات من عضوية الجامعة. لقد رسم المغرب الخطوط العريضة للخروج من هذا المأزق بعبارات قوية متماسكة صريحة، إذ شدد البيان على أن (التملك الجماعي والبناء المشترك لمستقبل الدول العربية، هما خير ضمان للاستقرار، والحصن الواقي ضد تفاقم التوترات الجهوية، وتنامي نزوعات التطرف والعنف والإرهاب، التي تقوض الأسس التي تقوم عليها الدول الحديثة وتمس بقيمها الأصيلة). وذلك هو وجهٌ من وجوه الإسهام المغربي في إنقاذ النظام العربي الإقليمي من مزيد من الانهيارات. فهل ستتجه القمة العربية المقبلة، في أية أرض عقدت، الاتجاه الصحيح؟.
المصدر: عبد القادر الإدريسي نشر في العلم

