الميثاق الوطني للتربية والتعليم، المنتديات الوطنية حول الاصلاح، البرنامج الاستعجالي، المشاورات الوطنية حول المدرسة العمومية، الرؤية الاستراتيجية، التدابير ذات الاولوية…. وغيرها من عناوين الاصلاح التربوي البراقة في الظاهر، لكن في الباطن والمضمون كل عنوان عبارة عن نسخ منقحة وسيئة الطبع لما سبقه. ودون الخوض في تفاصيل كل مشروع لجرد اوجه الشبه، يمكننا المقارنة بين ما اقترح في منتديات الاصلاح وما يجري اليوم: فالجميع يتذكر المنتديات الوطنية حول الاصلاح والتي جرت قبل عقد من الزمن، فقد خرجت هذه المنتديات ب 130 توصية وخلاصات كبرى أهمها أولويات استكمال الاصلاح حيث تبين أنه من خلال الاتجاهات الكبرى للتوسع الكمي للمنظومة أن الاشكاليات التي أفرزها الاصلاح في النصف الاول من العشرية ستتفاقم في أفق هذا التوسع الكمي وذلك تحت الضغط المرتقب لتزايد أعداد التلاميذ بالثانوي الاعدادي والثانوي التأهيلي(…) وان حجم الاشكاليات يقتضي اتخاذ التدابير الضرورية لتحقيق أهداف تعميم التمدرس وبرمجة وتنفيذ العمليات والاجراءات اللازمة ضمن شروط وظروف ملائمة. ما ذا تم فعله في هذه النقطة بعد كل هذه المدة؟ لن نجيب فالواقع لا يرتفع وما ترتكبه الوزارة ومصالحها الخارجية من مآسي فظيعة في حق أبناء المغاربة خير إجابة: فعدد أساتذة الابتدائي المكلفون بالتدريس في الاعدادي أو الثانوي يقارب عدد زملائهم أصحاب السلك الأصلي ونفس الأمر بالنسبة لأساتذة الاعدادي المكلفين بالتدريس في الثانوي ، وموضة النيابات والأكاديميات في إسناد مادة إلى أستاذ غير متخصص فيها لم تعد استثناء ولم تعد تشمل المواد المتآخية فقط… والأمثلة كثيرة.
وطرحت المنتديات سؤالا جوهريا اعتبرت الاجابة عنه نبراسا لتلمس توجه ودلالة العملية الاصلاحية التربوية والتكوينية ، وهو: هل تنحصر عملية الاصلاح في مستوى إعادة الهيكلة في إطار ما هو سائد ، أم أنها تتعدى ذلك لتندرج في إطار تصور بديل وتوجه بديل؟ سؤال لا زال صالحا ودون إجابة وطرحته المشاورات الأخيرة ولو بصيغة مختلفة. ودون الدخول في أوجه المقارنة بين ما جاءت به ودعت له المنتديات وبين ما خلصت له المشاورات ، فقراءة خاطفة للمجلد الذي طبعته الوزارة سنة 2006 والذي جمع بين دفتيه الوثائق الكاملة وخلاصات الأشغال ، وما خلصت إليه المشاورات الوطنية حول المدرسة يبين أن هذه الأخيرة لا تعدو كونها، كذلك، نسخة سيئة الطبع لما خرج به المنتدى الوطني للاصلاح . كل هذا يتم في ظل ظروف جديدة يمكن أن تبني أكثر مما تهدم، وبالرغم من انه جرت مياه راكدة كثيرة تحت جسر المدرسة المغربية خلال العشر سنوات الأخيرة ، وخاصة الأربع سنوات والنصف عمر حكومة جديدة في ظروف جديدة وخاصة دستور جديد، غير ان العكس الذي حصل على المستوى التربوي، إذ برزت أحداث ومتغيرات كثيرة جعلت جل المهتمين والفاعلين التربويين يضعون أيديهم على قلوبهم ويناشدون المسؤولين بالإسراع باتخاذ قرارات شجاعة، و إلا فالمغاربة مدعوون لإقامة صلاة جنازة على المدرسة العمومية. تجليات ذلك كثيرة ومتعددة: أهمها استمرار نفس الملفات المطروحة منذ مدة للمعالجة دون ان تراوح مكانها، ولعبة الشد والجذب بين النقابات والوزارة لا أحد يعرف نهايتها، رجال التعليم متذمرون من الاثنتين وهو ما يفسره ظهور التنسيقيات ودخولها في خطوات نضالية “متطرفة” في نظر الكثيرين، ظهور أكثر من 32 فئة تنتمي لحقل التعليم كل واحدة تريد مكاسب معينة خاصة بها، وهو أمر لا يوجد له مثيل في أي دولة أخرى. الحكومة ووزارتها الوصية خارج التغطية لأنها اعتبرت أن الإصلاح في التعليم هو التقليص من أيام الاضرابات كما صرح بذلك رئيس الحكومة نفسه سابقا وأيضا وزيره السابق في التعليم ، الذي تناسى أن نجاح الإصلاح مرتبط أساسا بالإرادات وصدق النوايا وأيضا بالمناهج والتقويمات . إضرابات مسترسلة في القطاع رغم الاقتطاعات والتهديدات. الوزارة وكأنها لا تقرأ البيانات، لأن ما يثير الانتباه في كل الاحتجاجات والخطوات النضالية الغير المسبوقة سواء على المستوى الوطني أو بجل النيابات والأكاديميات، أن الدافع الأساسي لها حسب بيانات الفروع النقابية والتنسيقيات الوطنية له علاقة وطيدة بحاجيات المتعلم والمدرسة –إضافة إلى المطالب المادية بطبيعة الحال- ويجملونه أحيانا في الكشف عن أوجه صرف ملايير البرنامج الاستعجالي،وإيجاد حلول للاكتظاظ والتكليفات والخصاص، والبنيات التحتية للمؤسسات… أمام هذا الوضع، وعوض البحث عن الأسباب الحقيقية وراء الاحتقان، سلك رئيس الحكومة أسهل الطرق وردد أمام كثيرين أن فترة حكومته شهدت أقل نسبة من هدر للزمن المدرسي قاصدا بذلك قلة الاضرابات بعد الاقتطاع الذي باشرته حكومته. فيما ردد وزيره في تصريح سابق أنه لم ينم أربعة أيام بعد أن اكتشف حقيقة الوضع في قطاع وجده كما كان قبل 15 سنة !!! وكأن عدم النوم إن ثبت كفيل بوضع القطار على السكة. رد لاعتبار للمدرسة العمومية لا يتأتى بإصلاحات ناسخة لما سبق ، بل يبدأ بالشجاعة في تحمل المسؤولية، كل من جانبه، فيما آلت إليه أوضاع التعليم، لأن ثقافة المسؤولية لا تقتصر على رصد الفشل فقط، بل لا بد من تحديد أسبابه بكل موضوعية، ومن ثم استئصال المعيقات، وتطوير مؤشرات النجاح.
المصدر: المحجوب ادريوش نشر في العلم

