سنحاول في هذا الاطار ابراز مظاهرالتداخل على مستوى بعض أوجه المجال الاقتصادي وذلك بتوضيح ما يقوم به مجلس العمالة او الاقليم وباقي الوحدات اللامركزية في الممارسة العملية من أنشطة وأعمال ومشاريع تهم بالأساس تهييئ المناطق الصناعية او المناطق ذات الأنشطة الاقتصادية ، وهو اختصاص موكول للأصناف الثلاثة من الجماعات المحلية ضمن الاختصاصات الذاتية ، و بعبارات فضفاضة من قبيل ” يبث ” او ” يقوم بالا عمال اللازمة لإنعاش الاستثمارات …: “وبالمقابل نجد المراسيم المنظمة لاختصاصات الوزارات التي تعنى بالمجالات الاقتصادية تنص على اسناد نفس الاختصاصات لهذه الهيئات العامة ، يضاف الى ذلك دور وكالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بأقاليم الشمال والجنوب والشرق.
ذلك ان النصوص المنظمة للجماعات المحلية لم تحدد الدور الحقيقي لكل منها . وفي الممارسة العملية تتولى الدولة والجماعات المحلية المختلفة انشاء وتهيئة المناطق الاقتصادية سواء الصناعية منها او المخصصة لممارسة الانشطة الاقتصادية . فبخصوص المناطق الصناعية مثلا ، ليست هناك معايير حتى الان للتفرقة بين ما يمكن اعتباره من اختصاص المجلس الاقليمي وما يعود الى كل من الجماعات الحضرية والقروية او الجهات او الدولة ومؤسساتها ( كصندوق الايداع والتدبيروغيره). وباستقراء الواقع نلاحظ بالفعل ان مختلف الجماعات انجزت مناطق صناعية ومناطق للانشطة الحرفية والمهنية الى جانب الدولة والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، بحيث تشابهت العمليات وتم تكرارها داخل العمالة او الاقليم الواحد ان لم نقل داخل تراب جماعة معينة . ففي الرباط مثلا وقبل التقسيم الجماعي لسنة 2002 انجزت بلدية اليوسفية منطقة صناعية بحي النهضة ، كما ان بلدية اكدال / الرياض كانت تتوفر على منطقة صناعية فيتا في حين كانت تتوفر بلدية يعقوب المنصورعلى منطقة صناعية بحي القامرة . هذا وكثير ما تختلف التمويلات لانجاز او توسيع تلك المناطق بدون حتى اتفاق او عقد لتوزيع المسؤوليات بوضوح . وبتفحص مخططات الجماعات المحلية لجهة الرباط سلا زمور زعير ، نجد ان مجلس عمالة سلا خطط للمساهمة في تهيئة مناطق للانشطة الاقتصادية وانشاء مشاتل للمقاولات ، وخططت المجموعة الحضرية سلا لتجهيز الحي الصناعي العيايدة . اما بلدية سلا لمريسة فخططت لانجاز مشتل للمقاولين الشباب ، في حين برمجت الجماعة القروية لابي قنادل انجاز تهيئة منطقة صناعية . مما سبق يتضح اذن ان احذاث وتدبير المناطق الصناعية او مناطق الانشطة الاقتصادية ليس لا من اختصاص الدولة وحدها و لا الجماعات المحلية( كل واحدة على حدة ) كما ان القطاع الخاص يتدخل بدون مانع قانوني في المجال المذكور، وهو يبرر بوضوح تداخل الاختصاصات و الانشطة بين الاطراف المذكورة. وما قيل بخصوص المناطق الصناعية او مناطق الانشطة الاقتصادية يمكن قوله بالنسبة لمجالات اقتصادية اخرى كالسياحة والتجارة والفلاحة حيث لا يسع المجال لذكر نماذج من تداخل الاختصاصات بشانها . الفقرة الثانية : تجليات تداخل الاختصاص في الميادين الاجتماعية : وسنقتصر في هذا الاطار على مجالات التكوين والتربية والثقافة، حيث التداخل بين الجماعات المحلية فيما بينها( اقليمية/ جماعية/ جهوية ) وبين هذه الاخيرة وبين الدولة. فالبرجوع الى المراسيم المنظمة لاختصاصات الوزارات المكلفة بقطاعات التكوين والتربية والثقافة نلاحظ انها تحدد اختصاصات الدولة في هذه القطاعات مما يبين ان تدخل الجماعات المحلية فيها يعد تضاربا معها ولو ان القوانين المنظمة لها ( الجماعات المحلية ) اقوى من النصوص التنظيمية (المراسيم)، فاعتمادا على المرسوم رقم 222.94.2 بتاريخ 24 ماي 1994 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الثقافة نلاحظ انه يخولها : – استخدام جميع الوسائل الكفيلة بضمان ازدهار الثقافة واشعاعها. – الحفاظ على التراث الثقافي وصيانته واستثماره. – المساهمة في تنشيط العمل الثقافي والنهوض به. -القيام باحداث وادارة المؤسسات الثقافية للتاهيل والتعليم . – تنشيط وتشجيع اعمال الإبداع والبحث في المجالات الثقافية . – المساهمة مع الوزارات الاخرى في حماية البيئة الثقافية. – تنمية الثقافة والاعتناء بالكتاب والخزانات والفنون وتنظيم الندوات واللقاءات الثقافية والمحافظة على التراث الثقافي…الخ. نلاحظ نفس الازدواجية في الاعمال والمشاريع المرتبطة بهذه القطاعات، فمثلا تتولى الجماعات المحلية الاقليمية تحمل تمويل تسيير مراكز التكوين الإداري والتقني المتخصصة في تكوين وتاهيل اطر الجماعات المحلية بأصنافها الثلاثة ( بل اطر الدولة كذلك) وذلك في اطار ميزانيات ملحقة كما هو الشان بالنسبة لمعهد التكوين التقني بسلا ومركز التكوين الاداري بالرباط التابعين لعمالة الرباط ( كجماعة محلية). وجدير بالذكر ان اختصاص التكوين غير منصوص عليه في ظهير 12 شتنبر 1963 المتعلق بتنظيم العمالات والاقاليم، كما ان القانون 79.00 المتعلق بتعديله يدرجه ضمن الاختصاصات التي ستنقل الى الجماعات المحلية الاقليمية مستقبلا( المادة 37 منه) . ولقد احدث مجلس عمالة الرباط بميزانية التسيير في اطار دورته العادية لشهر ابريل 2000 بندا خاصا بالتكوين المستمر كما برمج مجلس جهة الرباط سلا زمور زعير عمليات مرتبطة بالتكوين المهني ورصد لها 200.000 درهم من فائض ميزانية سنة 1997-1998. وفي اطار المخططات الخماسية برمجت الجماعات المحلية الإقليمية والجهوية عددا من مراكز التكوين الاداري والتقني والمهني في اطار التجهيزات الاجتماعية. وفي المجال الثقافي ، نجد ان الدولة والجماعات المحلية تنفق على الانشطة والتظاهرات الثقافية وتمنح المساعدات للجمعيات الثقافية ودور الشباب وغيرها من المؤسسات التي تعني بالثقافة كما تنجز التجهيزات الثقافية كالمكتبات ودور الثقافة وغيرها وتتولى ترميم المآثر التاريخيةمما يبرر الازدواجية في الاعمال والتداخل في الاختصاصات بين الجماعات العمومية. ففيما يتعلق بترميم المصالح والمواقع التاريخية كالمتاحف والمدارس والاسوار والدور والابواب تقوم به الدولة والجماعات المحلية رغم ان الاختصاص يعود اصلا الى وزارة الثقافة استنادا الى المرسوم المنظم لهياكلها واختصاصاتها يضاف الى ذلك تمويل المهرجانات من قبل بعض مجالس العمالات والأقاليم او الجماعات الحضرية . وصفوة القول يتضح مما سبق عرضه ان الكل يتدخل في القطاعات الاجتماعية المختلفة وبدون حدود اللهم ما كان من مشكلة توفير الاموال اللازمة ليس الا.مما يتطلب باستعجال توضيح الادوار والاختصاصات والمسؤوليات في مختلف القضايا الاجتماعية الانف استعراضها وغيرها حتى يحذث تكامل وتناسق بين ادوار مختلف الفاعلين في هذه المجالات . الفقرة الثالثة : تجليات التداخل في مجال الطرق العمومية : بخصوص العمالات والاقاليم فقد كان ظهير 12 شتنبر 1963 المنظم لهاينص على ان مجلس العمالة او الاقليم مختص بترتيب الطرق وصيانتها وتعديلها او تمديدها. واعتبر الفصل 23 من قانون التنظيم المالي الآنف الذكرنفقات صيانة الطرق الاقليمية من النفقات الاجبارية للجماعات الاقليمية. اما القانون الجديد المنظم للعمالات والاقاليم فقد نص في مادته 36 على ان تختص مجالسها بالمساهمة في انجاز وصيانة الطرق التابعة للعمالة او الاقليم،ومن ثم يكون اكثر دقة من الميثاق الجماعي فيما يتعلق باختصاصهافي تسيير الطرق الاقليمية وتملكها( وذلك على سبيل الاختصاصات الذاتية). كما ان الفصل 23 مكرر من هذا القانون المحذث بموجب المادة 67 من القانون المنظم للجهة نص على ان النفقات الاجبارية للعمالات والاقاليم هي نفس النفقات الاجبارية للجهات ( ومنها نفقات الطرق العمومية). وتؤكد مناشير عديدة اختصاص الجماعات والمجموعات الحضرية في انجاز وتدبير الطرق العمومية وملحقاتها نذكر منها المنشور عدد 198 م.ع.ج.م/ م.م.ج بتاريخ 2 يونيو 2001 حول تنظيم الاشهار بالطرق العمومية وملحقاتها وتوابعها والمنشور رقم 1556/ ق.م.م.م / 3 بتاريخ 2004( ا لانف الذكر). وبالرجوع الى المرسوم رقم2.94.724 بتاريخ 21 نوفمبر 1994 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الاشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الاطر( وزارة التجهيز والنقل حاليا) نجده يخول الوزارة المذكورة اختصاصات واضحة في مجال تدبير الطرق العامة( دون تحديد صنفها ماعدا الطرق السيارة) واحدث مديرية خاصة بها (هي مديرية الطرق والسير على الطرق). ومن استقراء مختلف هذه النصوص يصعب معرفة الجهة المختصةىبانجاز الطرق العمومية وتدبيرها. اضف الى ذلك ان هيئات اخرى تنجز بدورها هذه البنيات التحتية نذكر منها وكالة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لاقاليم وعمالات شمال المملكة وجمعيات وهيئات المجتمع المدني وغيرها واذا كان المرسوم رقم 2.83.620 بتاريخ فاتح فبراير 1990 المتعلق بطرق المواصلات، قد حاول الحسم في الطرف المختص بصنف معين من الطرق العمومية فانه لم ينجح – كما سبق ان اشرنا الى ذلك- في ازالة الغموض وفك الارتباط بالنسبة لهذا القطاع.
المصدر: امين بلقاضي نشر في عالم برس

