في ظلماء زنزانة باردة ، لازال يقبع رشيد نيني لأكثر من 250 يوما وليلة ، يلتحف العتمة ، ويفترش التعتيم ، وحيدا ، يشكو لربه ظلم العباد ، فريدا ومحاصرا ، ومعزولا دون رفقة أو خلطة مع الغير ، محروما وممنوعا من الورق والقلم ، في واحدة من أغرب وأشنع وأبشع التصرفات الإنتقامية التي تدوس على حقوق الإنسان ، وقوانين الأرض ، وأعراف البشرية جمعاء ، ولازالت تقترف في حق معتقل رأي جهارا نهارا ، وفي تحد سافر لكل ما يصطخب ليل نهار من تناد وتصايح حول هيبة القانون ، وقدسية الحق الإنساني .
في تاريخ المغرب الحديث ، لم يسبق لأي ممن امتشق سلاح الكتابة ، أن تلألأ نجمه في سماء الإعلام والصحافة والرأي بأكثر مما تلألأ به نجم الرجل الذي يرسف الآن في أغلال الحصار والعزل وكتم الأنفاس . وفي زمن أجذبت فيه ساحة المغرب في السياسة والرأي والفكر ، عن أن تنجب صنوان من كانوا يملئون الدنيا ويشغلون الناس من طراز الزعماء الوطنيين الكبار أمثال علال الفاسي ، وبلحسن الوزاني ، والمهدي بنبركة ، وعبد الرحيم بوعبيد ، وعمر بنجلون ، الذين حين كانوا يكتبون الرأي والتحليل والموقف في الليل ، تتخطف كتاباتهم مع شمس الصباح ، جموع البسطاء وجحافل الدهماء قبل أن تلتهمها الصفوة من القادة والساسة والعلماء . في هذا الزمن المجذب المقفر ، أعاد رشيد نيني ، لهذا التاريخ المشرق في علاقة المغاربة بما يسطره القلم ، أعاد له سيرته الأولى ، دون أن يكون قائدا سياسيا أو زعيما وطنيا ، خالج معمعان منازلة الاستعمار ، أو خالط دروب التدافع السياسي والنقابي . إذ في فترة ساحرة ، من عمر الصحافة المغربية ، استطاع هذا الرشيد المغرق في البساطة والوداعة أن يخضع المغاربة جميعا من أكابرهم إلى أصاغرهم لطقس موحد ، هو الإنكباب على قراءة عموده مع كل أفول شمس بعد أن تطلع جريدة المساء من المطابع ، أو مع كل ساعة أولى من صباح ، فترى نبلاء السياسة والمال والنفوذ والسلطة ، يتهافتون على العمود بنفس الشراهة والإدمان والحماس الذي يتهافت به الفقراء والمعدمون والمضطهدون والمستعبدون والضائعون . وفي ساعة واحدة موحدة ، يلتئم شمل الجميع على القراءة ، و لا يهم بعدها أن يفترق من انفض عن مائدة العمود حاقدا متغيظا ، أو متندرا ضاحكا ملء الأشداق ، أو ناقدا مستخفا ، أو معجبا ولهانا مأخوذا . بهذه الطريقة التي أفلح بها رشيد نيني في توحيد البلاد كل صباح ، كان يقوم بوظيفة وطنية لا تقوم بها أحزاب برمتها ، ومنظمات ومؤسسات بهياكلها ومقدراتها وإمكانياتها ، هي في جوهرها وظيفة السلطة الرابعة في أرفع تجلياتها ، فيعمد إلى كشف أغوار المستور من القبائح والفضائح والمظالم والمفاسد ، ويعرض إلى تشريح المجتمع في مشاكله وتخبطاته ، وببسط هذا الغسيل اليومي في واضحة النهار ، على صفيحة ، يصطف من حواليها فريق الكبراء والمتنفذين من جهة ، وفريق المحرومين والمستضعفين والمقهورين من جهة أخرى . وفي صلب هذه العملية اليومية التي كان يكابد عناءها رشيد نيني ، والتي كانت تفرض سجالا وطنيا شفافا ، يستكشف الوعي الوطني العام من خلالها ، مكامن البؤر السوداء في البلاد ، ومواطن السراديب والأنفاق المظلمة التي تهرب من خلالها مصالح البلاد ومنافع الأمة ، ويغتال في حلكتها وعتمتها مستقبل الوطن والأجيال . ومن تداعيات هذا السجال وذلك الوعي ، تنفرز طائفة المتورطين من طائفة المتضررين ، فتتهيأ الأجواء التي من خلالها تتعافى البلاد ، فيما يشبه الهبة الجماعية لإنقاذ السفينة قبل غرقها ، من حيث ما قد يعتمل من صحوة الضمائر ، والإقلاع عن الورطات بدل التمادي فيها . فالمرافعات اليومية لرشيد نيني ، كانت إرساءا لدعائم القضاء الشعبي الذي يمكن المواطنين من عدالة اجتماعية معنوية بديلة ، تعوضهم عن فقدان السبيل نحو نيل حقوقهم بالإنصاف والقصاص والجزاء التي تكفلها المؤسسات الحاكمة المختصة . إن التنفيس الوجداني التي كانت تحققه هذه المرافعات في أوساط المواطنين المحرومين والمستضعفين والمتضررين والمهمشين ، وما كان يترتب عنها من ارتياح جماعي ، يبعث على شيوع حالة عامة من الثقة والمهادنة والمسالمة وتوخي التغيير الإيجابي بالبناء من الداخل بعيدا عن التوتر والإحتقان وتبييت المؤامرات بالليل . إن هذا التنفيس كان بمثابة وظيفة وطنية سامية بامتياز، اضطلع بأدائها رشيد نيني من خلال رسالته الإعلامية ، سنين عددا ، بالحجم والآثار والنتائج التي أخفقت فيها سياسات وتدابير وبرامج أنهكت ميزانيات البلاد دون طائل ، فتحقق بالقلم ما لم يتحقق بالسيف . وليس بالضرورة أن تنعقد لهذا القلم وهو يقوم بواجب تقويم المجتمع ، صفات وشروط العصمة والسمو والدقة في الوظيفة الوطنية التي كان يحمل رشيد نيني نفسه على مشاقها ، إذ ليس من المطلوب منه أن يحوز مقدرة الأنبياء ، أو صفاء الملائكة ، حتى تقاس أعماله بالميزان الذي يتوخى انتفاء الخطأ والنقصان . لقد أسدى عمود رشيد نيني لهذا البلد خدمات جليلة ، يتضاءل أمامها ذلك النزر اليسير من الأخطاء و العثرات والخدوش في حق البعض ، والتي سرعان ما تندمل أمام رجحان كفة المصالح العام . خدمات جليلة جسرت ما بين القمة والقاعدة ، وقربت عقل السلطة العليا وأذانها ، من صرخات السواد الأعظم من الأمة وهمومها ، وأرشدت الساهرين على نفاذ القانون إلى مواضع التخريب والإختلال والشطط وكل ما من شأنه الأضرار بالمصالح المشتركة للبلاد . فالصحافي مثل الجراح ، يدمي ويؤلم ويجترح ، ولكنه في الأخير ينتزع المفسدة من الجسم . لقد عرفت البلاد ، بعد غيبة رشيد نيني ، انعطافات نحو التجديد والتصويب والترشيد ، تضافرت في صنعها كل القوى والحساسيات الوطنية ، ومن كل المواقع ، بما فيها مواقع الإحتجاج والنقد والرفض ، ومن المجحف أن تبخس أعمال ومساهمات رشيد نيني وما أنتجه نسيج الصحافة الهادفة التي ينتسب إليها في اتجاه دعم هذا التجديد . ومن المجحف أكثر في حق البلاد أن يطول رزؤها بتغييب واحد من ألمع أبناءها إشعاعا وتأثيرا ، في غياهيب الإعتقال والعزل المدمر للطاقات والمواهب . فهل ستشرق شمس حكومة الدستور الجديد على رشيد نيني حرا طليقا من تصفيد يده وحجر قلمه ؟ عضو هيئة دفاع رشيد نيني
المصدر: عبد الله لعماري نشر في لكم

