انخرطت الحركة الإسلامية مرغمة في اللعبة الديمقراطية وبالتالي فهي تنتقم منها كلما أتيحت لها الفرصة. وهذا مصدر التسلط الذي يطبع سلوكاتها في كل البلدان مع اختلاف في المنسوب والدرجة. وكلما ازداد موقعها سياسيا كلما ازدادت نزعتها الهيمنية. وعندما سار تيار السياسة العالمي نحو الحقوق والحريات دخلت الحركة في دورة تلبيس كبرى فتبنت ما لا يخطر على بال من قبولها بالحقوق كما هو متعارف عليها دوليا وغيرها من الأشياء التي كانت من المحرمات لدى هذه الحركات. ودخول الحركات الإسلامية في دورة التلبيس أفادها كثيرا في استغلال “الربيع العربي” وأكل غلاته رغم أنها كانت ضده، فالإخوان المسلمون لم يلتحقوا بالثورة إلا في وقت متأخر على البداية وهرولوا للحوار مع نظام مبارك وهو على وشك السقوط طمعا في الغنيمة، وكذلك الأمر في بلدان أخرى ومن بينها المغرب الذي كان فيه حزب العدالة والتنمية ضد الحراك الشعبي وأصبح اليوم يهدد الجميع بحراك شعبي أخطر وركبت جماعة العدل والإحسان الموجة لكنها اكتشفت أن نزوعات الشباب لا تنسجم مع ميولات الشيخ في الخلافة على أي منهاج كانت. وأعطى الربيع العربي دفعة قوية لهذه الحركات، غير أنها لم تفهم أن القضية مرتبطة بمجرد انتقام من الحكومات السابقة وتجريب غير المجرب، فاستقوت بالأغلبية العددية ضد مكونات المجتمع وضد المجتمع نفسه الذي كان ينتظر منجزات فتحولت كلمات الإسلاميين إلى لكمات قوية تطيح به وبعيشه. ففي
تونس
التي انتهت صفقة الإسلاميين
البليدة
مع نظام بنعلي بوضع جزء منهم في السجون وهروب الآخرين نحو المنافي التي انقلبوا عليها اليوم، وظل اليسار حاضرا في المواقع الاجتماعية ولو بطريقة محتشمة، عاد اليوم الفاتحون ليدوسوا على اليسار وعلى رئيس الجمهورية نفسه لأنه يساري، وتم تسليم المحمودي من طرف حكومة الغنوشي إلى ثوار ليبيا السلفيين الذين قد يفتكون به. ففي البدء رفعوا شعارات التعايش والتوافق وبعد أن تمكنوا شرعوا في تنفيذ مخططاتهم، وهي مخططات مبنية على التدليس، المقبول سلفيا، وعلى الصفقات وعلى لعب الأدوار المختلفة وتبادلها. يبدو أن الحركة الإسلامية بعد أن دخلت في وقت سابق في طور التدليس الكبير بشرعنة من علمائهم وفقهائهم بدأت اليوم الدخول في طور “التسلط الإسلاموي”، وتنفيذ التدمير المادي والمعنوي من مستويات عليا، مستويات رئاسات الحكومات ورئاسات الدول، بعدما مارسته في وقت سابق على مستويات دنيا مثل قتل الطلبة اليساريين بالجامعات المغربية. فكما مارست الحركات الإسلامية الدعوة والعنف من مواقع كانت فيها ضعيفة فسوف تمارسها اليوم ومن مواقع القوة وصناعة القرار وامتلاك أدوات التنفيذ بما فيها مؤسسات الدولة. لقد أصبح من الصعب بعد اليوم إزاحة “التسلط الإسلاموي” من مواقعه لأنه يعتبر نجاحه في الانتخابات “نصرا من الله وفتحا مبينا” ومنٌّّ على “المستضعفين” ومنة من الله، وبالتالي لا ينبغي التفريط فيها لفائدة العلمانيين والليبراليين واليساريين رغم أنهم وصلوا عن طريق القيم التي دافع عنها هؤلاء. فمن الصعب إزاحتهم إما عن طريق استمرار تدليسهم على المجتمع أو الانقلاب على القيم الديمقراطية.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

