تعد منطقة دكالة مرادفا للجود والكرم، و”العين الكبيرة”… هذا ما أرادت نعيمة ابنة دكالة، وتحديدا منطقة العاونات التأكيد عليه أثناء حديثها عن العادات الدكالية، «اللي تسوليه على دكالة غادي يبدا ليك بالعاونات .. حيت حنا معروفين بزاف» تقول نعيمة بنبرة من لم يفارق يوما مسقط رأسه، على الرغم من إقامتها داخل دوار الحوامي المنسي كباقي دواوير جماعة بوسكورة التي تجمع بين دورها العشوائية مزيجا من “المهاجرين” الأمازيغ والعرب. بعد ثواني من التفكير اختارت نعيمة الحديث عن حفل الختانة داخل العاونات بعد أن خانتها الذاكرة في استحضار بعض خصائص زفاف المنطقة.
تبقى الأوضاع المادية لكل أسرة سببا في تحديد موعد ختان كل طفل، « من الممكن أن يكون أسابيع بعد ولادته، ومن الممكن الانتظار خمس سنوات، المهم هو أن يكون الحفل كبيرا» تقول نعيمة. * ” التكبيضة” بعد تحديد موعد الختانة تتولى الأم ترتيبات الاحتفال، وعادة ما تكون الوجهة نحو سوق العونات الأسبوعي حيث تقتني كل ما يلزمها من ملابس تخصها وتخص طفلها، إضافة للمواد الغذائية التي ستعد بها وليمة حفل الختان، بينما يتولى الأب شراء الكبش، أو العجل الذي سيتم ذبحه خلال المناسبة، « لا نميل لاقتناء الدجاج، أو اللحم بالتقسيط.. لا لا هاد الشي ممسلكناش في دكالة ضروري الضروبة ولا الحولي.. عرس الختانة خاصو يكون على حقو وطريقو» تقول نعيمة التي ترى أن أبناء دكالة يحبون الاحتفال بطريقة تدعو للتفاخر، «لأنهم أبناء الكرم» تقول المرأة. عادة ما تقتني الأم أغراضها يوم الأحد، ثم تختار يوما معينا للاحتفال، «بشرط أن لا يكون يوم الأربعاء، لأننا لا نقيم أعراسنا خلال هذا اليوم» تقول نعيمة التي تتمسك بهذا المعتقد على الرغم من عدم معرفتها بعلة هذا المنع الذي تكون معاكسته نذير شؤم للأسرة والطفل. خلال اليوم الذي يسبق الحفل، تقوم الأم بوضع “التكبيضة”، أي وضع الحنة لليدين أو الرجلين على الطريقة التقليدية دون نقش، «زعما غير كتطلي الحنة بلا زواق بلا والو» تقول الدكالية مفصلة الخطوات التي تلي عملية الحنة خلال اليوم الموالي بعد أن تغسل الأم يديها ورجليها لتزيل “التكبيضة”. التخليلة باقتراب مجيء الضيوف، تقوم الأم بارتداء الملابس التي اقتنتها من السوق، وذلك من خلال ارتداء التكشيطة، والتحزم ب”مضمة الصم”، مع انتعال الشربيل. تكون “الشقة” آخر قطعة ترتديها الأم، وهي بمثابة قطعة قماش، أو “تفصيلة” ترتديها الأم على شكل “تخليلة”، حيث يتم طيها لقسمين، وتلفها الأم حول خصرها، ثم تقوم برفع القسم العلوي من خلال تمرير جزء فوق كتفها الأيمن، والجزء المقابل أسفل كتفها، ثم تعقد طرفي “الشقة” على صدرها. تقوم الأم بعد ذلك بتمشيط شعرها وتقسيمه لجزئين حيث تسدله على كتفيها، وتقوم بوضع كمية قليلة من الحنة بأطراف أناملها على مقدمة شعرها، وجزء من شعرها المسدل، « من باب الباروك” تقول نعيمة التي تشير أن الحنة تكون معطرة بالقرنف، والورد والريحان. تغطي رأسها ب”القطيب” وهو غطاء رأس أحمر حواشيه مزينة بمجموعة من الأهداب، ثم تقوم بتثبيته بواسطة “شد” يلف حول نفسه لتشكل منه عصابة رأس. تجلس الأم وسط النساء اللواتي يتولين الغناء والرقص، ثم يؤخذ الابن من جانبها نحو غرفة أخرى يتواجد بها المشرف على عملية الختان. “الطعمة” حول معصم المختون أثناء ختان الطفل يرتدي لباسه التقليدي مع وضع كموسة في يده، وهي عبارة عن صرة صغيرة توضع فيها الشبة والحرمل وتحزم ب “الطعمة” وهي عبارة عن صوفة مغزولة تعدها الأم أو إحدى نساء العائلة، حيث تعقد بها الصرة، ثم تربط بيد الطفل. من الممكن أن يوضع “قرش” من النقرة، وفي حال عدم توفره تستعين الأم بخاتم من النقرة، يوضع في “الطعمة”التي تربط ب معصم الطفل، أو يوضع في دبيلج من النقرة. بعد إدخال الطفل للغرفة ومباشرة عملية الختان، تقوم النساء بإلهاء الأم وذلك من خلال وضع قالب من السكر على ظهر الأم، وبطه بثوبه وكأنها تحمل طفلها، «هناك من يضع قالب السكر، وهناك من يضع على ظهر الأم كيلو غراما من التمر، المهم أن يكون شيئا حلوا، لأن سكان العاونات معروفين بحبهم للحلاوة.. إلا شفتي شي واحد فشي جمع باغي يزيد السكر عرفيه من العاونات” تقول نعيمة مازحة. بعد وضع التمر أو السكر في ظهر الأم، توضع أمامها قصرية من الطين مملوءة بمخلفات الماشية، لتضع رجلها اليمنى داخل القصرية، بينما تبقي رجلها اليسرى على الأرض. تمسك الأم بمرآة في يدها ثم تشرع في تنقية أسنانها بواسطة “المنكاش” وهو قطعة من الخشب مبرودة بدقة، إمعانا منها في التركيز حتى تتحاشى سماع بكاء طفلها في الغرفة المجاورة، وتشرع النساء في الغناء لتشتيت تركيزها. بعد انتهاء عملية الختان، يسلم الطفل لوالدته وسط زغاريد النساء وغنائهن، ليتواصل الحفل الذي تقدم فيها مختلف أنواع الحلويات والمؤكولات التي تضم طبقين رئيسيين، المرق باللحم، والكسكس. سكينة بنزين
المصدر: سكينة بن الزين نشر في الأحداث المغربية

