بداية أود أن أسجل أني لست معنيا بهذه المراجعات، لأن موضوعها لايزال غامضا في جميع جوانبه، بقدر ما تعنيني المعاناة والآثار الإنسانية والحقوقية لهذا الموضوع، ذلك أن المتتبع، يلاحظ أن ورقة المراجعات أصبحت وسيلة للتهديد والابتزاز، كما أنها مدخلا لنيل الرضى والحظوة، وكل ما جرى ويجري من تحركات في السر والعلن من جهات عدة مختلفة داخل السجون وخارجها، إنما هو لفرز وتمييز المتراجعين عن قناعاتهم، والثابتين عليها، وفي هذا الإطار جاءت مبادرة الشيخ الفيزازي، لإطلاق سراح من عنده القدرة على أن يجثو على ركبتيه ذارفا دموع الندامة والتحسر والتأسف، معبرا عن أقصى درجات الاسترحام والاستعطاف وطلب الغفران، على أمور لم يقترفها أو يدعو إليها، لكن هكذا قضت طقوس وشعائر هذه المبادرة، ومن لم يقتنع بممارسة هذه الطقوس واعتناق هذا الدين، فهناك من الزبانية والجلادين، من له من الأساليب الشيطانية لجعل المعتقل يعتنقه ولو بالإكراه، وهو ما يلاحظ في معركة كسر العظم، التي يقول عنها ابن هاشم أنها تأديب في إطار القانون.
أعتقد الآن أن قصدي من إثارة هذا الموضوع اتضح، ذلك أني منذ أن بدأت أتعاطى مع هذا الملف الشائك، وأنا أهتم به في جانبه الحقوقي الإنساني، ويجب أن لا تتحول قضية المراجعات إلى ابتزاز يمارس على المعتقلين لزيادة معاناتهم وعذابهم، وقضية دفع الإنسان للتراجع عن قناعاته وأفكاره، باستعمال العنف والإكراه المادي والمعنوي، مسألة ممجوجة ومقيتة ولا أخلاقية، تنم عن ضعف واهتزاز وعدم ثقة في النفس، لدى مستعملها. رغم أنها للأسف الشديد تؤتي أكلها، وهو أمر ملاحظ في تعاطي الدولة مع خصومها ومعارضيها يساريين كانوا أو إسلاميين، وبما أن الأمر يتعلق بالحديث عن مراجعات سلفية، فسأكتفي بمثال لما يمكن أن يوصل إليه أسلوب الضغط والتهديد من نتائج باهرة. يتعلق الأمر بعدد من المواقف التي كانت تتبناها ما يصطلح على تسميتها بالسلفية التقليدية، ونضرب مثلا بالموقف من الصوفية، حيث عرف موقف السلفيين في المغرب من التصوف والصوفية، تطورا ملحوظا، بدأ برفضها جملة وتفصيلا، اسما ورسما، إلى الحديث عن تصوف سني، إلى الدعوة للاقتداء بالجنيد، إلى الموقف المفاجيء الذي أعلنه الأستاذ القباج في لقائه التلفزيوني، وهذه التحولات لم تكلف الدولة سوى إقفال دور القرآن لمدة سنتين؟؟ وبالعودة إلى مراجعات السجون، التي أصبحت حديث الساعة، أقول أن أسلوب الضغط على الخصم لانتزاع تراجعات منه أسلوب غير أخلاقي، أما إذا أصبح إعلان التراجعات هو المدخل لتصفية هذا الملف، فإن الأمر فعلا يفوق التحمل، ويعلن عن بداية عهد لانتهاك خصوصيات وقناعات وأفكار وعقائد الناس، بدفعهم تحت التهديد والوعيد، لإعلان مواقف وآراء سياسية تخدم النظام، ومقايضتها بحريتهم وكرامتهم، وهو ما يظهر الدولة بمظهر المحتكر للحق والحقيقة، نظام أشبه بالأنظمة الثيوقراطية، التي لامجال فيها للاختلاف والحوار والإقناع، شعاره “إن أريكم إلا ما أرى”. لابد من الإشارة إلى أن قضية المراجعات أو فقه المراجعات، كما تتبعنا في عدد من الدول، كمصر والسعودية وليبيا، توفرت فيه ثلاثة عناصر: 1) المتراجع 2) المتراجع عنه 3) أسباب ودواعي التراجع ولنتحدث عن هذه العناصر بعجالة: أولا المتراجع: حين نتحدث عن تراجعات مصر أو ليبيا أو السعودية، فإننا نتحدث عن تنظيمات سرية مسلحة مهيكلة ومنظمة، أعلنت عن مجموعة من القناعات والمنطلقات والأهداف، وأصل لها شيوخها ومفكروها ومنظروها، كما أننا نتحدث عن جناح عسكري، له رؤية واستراتيجية عسكرية لقلب نظام الحكم، أو إلحاق ضرر بالغ به، و نتحدث أيضا عن استهداف بعض المجموعات، لأفراد المجتمع. ثانيا المتراجع عنه: التنظيمات المشار إليها، تراجعت عن أفكار وتأصيلات، كانت قد ألفت حولها الكتب والدراسات وعقدت بخصوصها الندوات والدروس، بعض تلك الأفكار يهدد فعلا أمن المواطنين ويستهدفهم، كما أنها تراجعت (وهذا هو المهم) عن أعمال عسكرية، قامت بها وتبنتها واعترفت بها، ببيانات منسوبة إليها. ثالثا أسباب ودواعي التراجع: بعد حوارات ونقاشات مع العلماء، تركزت حول قضية الدماء واستعمال السلاح، نقاشات هيئت لها كل أسباب الإنجاح، وتركت الحرية للكل، بالخوض في جميع المواضيع، وبعد أن تبين للمعتقلين خطأ رأيهم واجتهادهم، وبعد أن تبين لهم عدم جدوى هذا الطريق شرعا وعقلا ومنطقا، كان من الطبيعي أن يعلنوا عن تراجعهم عما ثبت بطلانه، ويكتبوا للناس ما أصبحوا يؤمنون به، ويعلنوا مذهبهم الجديد مؤيدا بالأدلة والحجج والبراهين. ومع ذلك كله، لم يكن لزاما على الدولة أن تطلق سراحهم، خاصة من ثبت عليه منهم تورطه في جريمة قتل أو ما شابه، لأن تطبيق القانون لا محاباة فيه، كما أن إطلاق سراح البرئ، ليس صدقة أو منة أو هبة أو عفوا، لأن الله هو العفو الغفور. لكن ما أقدمت عليه تلك الأنظمة هو من باب المجاملة، وكسب الخصوم، وتقليص دائرة الناقمين والمعارضين، وطي الصفحة لبدأ عهد جديد. إذن نحن أمام تنظيمات أعلنت عن مشروعها وبرنامجها، تورطت في عمليات مسلحة، ذهب ضحيتها مواطنون أبرياء، تبنت تلك العمليات، وضبط بعض قادتها وعناصرها متلبسا بتلك الأفعال، تم عرض تلك القناعات والأفكار على طاولة البحث والنقاش، تبين بطلانها، فتم التراجع عنها. فهل في الحالة المغربية، ما يشبه من قريب أو بعيد هذه الحالة وتتوفر فيه تلك العناصر: -1 نحن أمام مجموعة من الشيوخ كانوا يلقون دروسهم في المساجد بترخيص من السلطات، لم يكن بين هؤلاء الشيوخ أي تنسيق، أو حتى رؤية موحدة. فبالأحرى الحديث عن تنظيمات وجماعات يقودونها. -2 كانت فعلا لهؤلاء الشيوخ قناعات وأفكار، قد لا تقبلها السلطات أو توقعها في حرج مع حلفائها، لكنها لا تشكل أي تهديد لأي أحد، كالموقف من الديمقراطية والموقف من الحرب على العراق وأفغانستان والقضية الفلسطينية، والحكم بما أنزل الله وتحكيم الشريعة، وغيرها من الأمور التي تدخل في خانة حرية التفكير والتعبير وحرية العقيدة. -3 كان هناك فعلا، عنف لفظي وإرهاب فكري، تجاه بعض التوجهات، كالعلمانية، لكنه استهدف فقط بعض الاستئصاليين أولا، ثم أنه كان عنفا متبادلا ثانيا، حيث أن بعض العلمانيين لم يكن يتحرج من تحريض الدولة على من كان يسميهم بالتكفيريين والظلاميين والمتخلفين. ثم تبين بعد الاعتقالات أن الدولة انحازت للطرف العلماني الاستئصالي. لأنه تماشى مع مصالحها، وتحالفاتها. -4 لم يدع أي واحد من شيوخ ورموز هذا التوجه في المغرب، لاستعمال العنف ضد المواطنين، ولا حتى ضد الاستئصاليين الذين كانت الحرب الكلامية مستعرة معهم، أو لأي عمل مسلح ضد النظام، ولم يثبت عن أحد في كتبه وأشرطته أن دعا لمثل تلك الدعوات، ومثل تلك الأمور هي التي تستدعي فعلا، التراجع وطلب الاعتذار. -5 بعد أحداث العنف الغامضة والمريبة التي عرفتها البلاد، لم تتبن أي جهة العملية، بل أكثر من ذلك أدانها واستنكرها عدد من شيوخ ورموز هذا التوجه. -6 تم اعتقال وتعذيب الآلاف، حسب تصريح وزير الداخلية السابق إدريس البصري، دون بينة ولا برهان، ولم يضبط أي واحد متلبسا بجريمة من الجرائم. وبعد أن مروا بمؤسسة التعذيب الرائدة تمارة ، تم إيداعم في السجون، بأحكام سجنية خيالية، ولازال التعذيب يمارس عليهم لحد الساعة، رغم إنكارهم وعدم اعترافهم بأي فعل من تلك الأفعال، ورغم طلباتهم المتكررة للحوار سواء مع الأمنيين أو مع العلماء، ورغم إدانتهم المتكررة لعدد من الأعمال التي من الممكن أن تنسب لهم أو لإخوانهم من نفس التوجه. رغم كل ذلك إلا أن الدولة لا ترضى منهم إلا بالتراجع، ثم البكاء على أبوابها وطلب العفو والمغفرة. وإنها بذلك، لا تحاول إلا كسب نتائج سريعة، بتطويع هؤلاء المعارضين لكثير من سياساتها، وإذلالهم وتركيعهم، ودفعهم لتبني آراء ومواقف سياسية تتماشى مع توجهاتها، وإلا فلو كان الأمر يهم أمن المواطنين، فالأمر جد سهل، تصنف من يدعو لتكفير المواطنين وقتلهم، وبعد الإقرار على نفسه أنه يتبنى ذلك الفكر، يحاوره ويناقشه علماء أكفاء، ثم نترك له مهلة للتفكير في أجواء إنسانية من الاحترام والحقوق، كي لا ندفعه للانتقام، إن أعلن عن تراجعه عن فكره فبها ونعمت، وإلا، يقضي عقوبته الحبسية في إطار القانون. أما من لم يثبت عليه تورطه في أي عمل عنف أو الدعوة إليه، وكان خلافنا معه في أمور اجتهادية وسياسية وفكرية، فإنه من قلة المروءة أن نستغل القوة والسلطة، لدفعه للتراجع عن قناعاته، وابتزازه ومقايضته بحريته، بل يجب إطلاق سراحه فورا، وليس عليه في ذلك منة من أحد، ومن هذا المنطلق، يجب على الحقوقيين ورجال القانون وكل الشرفاء، رفض أن تكون قضية المراجعات هذه، سببا في زيادة عذاب ومعاناة المعتقلين وذويهم، وسيفا مصلتا على رؤوسهم. وختاما، لإن كنا نقول، لا إكراه في الدين، فالأولى أن نقول لا إكراه في الفكر والسياسة، ولإن كانت الدولة الإسلامية التي توصف بالاستبداد، احتضنت المخالف المذهبي بل والعقدي، وضمنت له حقوقه، وفي قصة أمير المؤمنين، علي رضي الله عنه، مع الخوارج، العبرة لمن يعتبر. أفلا تسع هذه الدولة المدنية الديمقراطية الحداثية، التي أسبغت عليها كل أوصاف التسامح والحوار والقبول بالآخر، ألا تتسع هذه الدولة لكل المواطنين، ويتسع صدرها للمخالفين والمعارضين، ولإن كان ديننا يسع المخالف ويحتضنه، أفلا تسع هذه الديمقراطية المخالف وتحتضنه، إنها إذن لديمقراطية ناقصة بئيسة عرجاء.
المصدر: مصطفى الحسناوي نشر في لكم

