لقد اختارت الولايات المتحدة إزاء ذلك أن تُظهِرَ تميّز الإدارة الجديدة بمطلب تجميد الاستيطان الموجه إلى إسرائيل. وتبعها العرب، بمن فيهم الفلسطينيون، بطرح هذا المطلب. والحقيقة أن المراجعة لتاريخ بناء المستوطنات تثبت أن أغزر السنوات بناءً هي السنوات التي أعلن فيها التجميد. والحقيقة أن كل من يعرف إسرائيل وسياساتها يدرك أن سياسات «التخطيط والبناء» هي نشاط مركزي لدولة قامت على التخطيط والبناء، وهي تخطيط لأكثر من عشرين عاما مسبقا، وأن أي تجميد يستثني البناء المخطط له قبل التجميد يعني استمرار البناء لعشرين عاما أخرى.
ولكن الحكومة الإسرائيلية لم تتحمل حتى التجميد الشكلي، لأن الحكومة الإسرائيلية الحالية، خلافا لسابقتها، تستند إلى قوى ترى أنّ مجرّد الإعلان عن تجميد الاستيطان، حتى لو كان إعلانا كاذبا، يتضمن تنازلا مبدئيا. فعلى إسرائيل، في رأي اليمين، أن تعلن عن حقّها الشرعي في الاستيطان، لا أن تخفيه أو تقوم به سرا. والواضح أن النقاش الذي جرى في إسرائيل لم يكن موضوعه هو التجميد (إذ لا تجميد) بل إعلان التجميد من عدمه. ومن هنا، فإن دخول الإعلام العربي في هذه التفاصيل وتعويم المزاج السياسي العربي على هذه الموجة، موجة تجميد الاستيطان، هو أمر محزن وكارثي ويُنسِي الناس أن الاستيطان جار، وهو على أشده في القدس حاليا، وأن الحصار على غزة مستمر كاستمرار للحرب بوسائل أخرى. ونعود إلى جوهر الطرح الذي ما زال تنفيذه يصطدم بالمطامع الإسرائيلية أعلاه، ونسأل السؤال التالي: ماذا بالنسبة إلى حق العودة؟ لا بد، أولا، من تأكيد أن حق العودة لا ينبع حتى من قرار دولي، وأن الشعب الفلسطيني ومجمل الأمة العربية يتمسكان به حتى دون قرار دولي، فما بالك والقرار الدولي قائم؟ لا يمكن تحقيق حق العودة من خلال تسوية مع إسرائيل، بل في إطار تراجع أو اندحار إسرائيلي، في سياق الصراع العربي الصهيوني. ولكن إذا تنازل العرب عن هذا الصراع سلفا، بل وحتى عن خطة للصراع، فهذا يعني التنازل عن حق العودة. وما ترْك حق العودة إلى الفلسطينيين، كشأنٍ فلسطيني، إلا تنازل عنه، فحتى لو وُجِدَت منظمة التحرير كمنظمة مناضلة، وحتى لو كانت السلطة الفلسطينية «سلطة مقاتلة على أي منطقة تحرر»، لا يمكنها تحقيق حق العودة في سياق تفاوضي مع إسرائيل لأن الأخيرة، باختصار وببساطة، تعتبره نفيا لها. ومن هنا، نجد أن الكثير من العرب قد انتقلوا من خطاب تحقيق حق العودة في سياق الانتصار على إسرائيل إلى مقولة رفض التوطين في سياق التسوية. وغالبا ما يعني رفض التوطين توطينا، و«لكن ليس عندنا» أو «ليس في بلدنا» بالمنطق القُطْري أو الطائفي البغيض. وهو في الواقع موقف عنصري يمس بالانتماء العربي الواحد مثله كمثل الطائفية وغيرها. فالكلام عن رفض التوطين في دول حققت السلام مع إسرائيل دون أن تضع حق العودة كجزء من اتفاق السلام، والحديث عن رفض التوطين في دول أخرى ترهن السلام باستعادة أراضيها التي احتلت عام 1967 وبعده، لا يعني حق العودة؛ فبأي معنى يتم التعبير عن رفض التوطين، ومن تطالب هذه الدول بحق العودة، إذا لم يكن شرطا في اتفاقياتها للسلام مع إسرائيل؟ هل يُترَك حق العودة إلى سلطة عباس- فياض؟ لقد تنازلت عنه الأخيرة منذ فترة طويلة، وحتى لو لم تتنازل عنه لا يمكنها فرضه في سياق علاقتها المتبادلة مع إسرائيل. إن التنازل عن حق العودة كشرط للسلام مع إسرائيل في حالة دول وقعت اتفاقيات سلام، ودول أخرى لا تشترط توقيعه في المستقبل بممارسة هذا الحق، بل تريد توقيع سلام كهذا بناء على استرجاع أراضيها التي احتلت عام 1967، إنما تجعل حق العودة مسألة عالقة بينها وبين الفلسطينيين المقيمين على أرضها، وليس بينها وبين إسرائيل، مما سيقود إلى تحريض عنصري لا أكثر ولا أقل… وهو ما ينسجم ضمن نشر العقلية الطائفية والجهوية والإقليمية والقبلية في إطار الثقافة السياسية للدولة العربية القطرية القائمة وأنظمتها وأسرها الحاكمة. كيف تكون الدولة الفلسطينية صفقة شاملة أو اتفاق رزمة؟ هنا ندخل، طبعا، مجال الخيال الأمريكي/ العربي بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي. ويذهب هذا الخيال الأمريكي إلى أن واقعية العرب سوف تقودهم إلى قبول تبادل الأراضي دون عودة إلى حدود عام 1967، وأن قضية القدس تحتاج إلى «حلول إبداعية» للأماكن المقدسة دون انسحاب إسرائيلي من القدس العربية، وأن قضية اللاجئين تحل تلقائيا بوجود دولة فيتحولون من لاجئين إلى مغتربين من تابعية هذه الدولة في دول أخرى، فيحملون جوازات سفر دولتهم الفلسطينية. وطبعا، بموجب هذا الخيال الواقعي تبقى الكثير من القضايا دون حل، ولكن وضعهم القانوني على الأقل يجد له حلا، وذلك دون عودة ودون توطين. وهذا هو التحدي الحالي… وما جرى من مخاز في جنيف وفي نيويورك ، يجري في خدمته كغايةٍ تُبَرِّرُ الوسائلَ غير المسبوقة. هنالك من صار يعتبر نفسه جزءًا لا يتجزأ من صلب النظام الدولي القائم؛ فهو لم يعد خارجه كما في حالة الكفاح المسلح، ولا على هامشه كما في حالة الانتفاضات وسلطة ما بعد أوسلو . ومن هنا، يتوقَّع هذا المغتبط بانتمائه إلى النظام الدولي أن ينجح مسعاه إلى الدولة. وهنا مصدر الاستخفاف بما تعتبره حركات التحرر عادة في صلب خطابها، مثل تعبئة العالم ضد جرائم الاحتلال لتقييد يديه في المستقبل على الأقل، مثلا. وهنا أيضا يكمن مصدر التخلي عن مجرد فكرة الصراع مع الدولة الاستعمارية. فهؤلاء يعتبرون أنفسهم ندا افتراضيا للدولة الاستعمارية في خطاب الدولة، يتبنون مصطلحات الدول ولغتها الواقعية واستخفافها بالعدل والإنصاف والحقوق… لقد حلّوا على منطق الدول من آخره، فاستخفوا بجرائم الحرب وبذلك التصويت في جنيف . فسدوا ماليا، وينسقون أمنيا مع الاحتلال، وأقاموا كيانا قمعيا ميليشياويا يمنع حتى التعبير عن «تضامن» الناس مع أنفسهم، ويشاركون بالحصار ضد شعبهم، وصاروا يتصرفون كجزء من النظام الدولي الذي يكذب بشأن جرائم الحرب. وكل هذا الانحلال في أوساط لا يمكنك أن تعظها، لأنها كانت هناك؛ وتعتبر نفسها نضجت، وتعتبرك ساذجا؛ فهي تنتمي إلى جيل عرف حركة التحرر، وقد حل بها هذا الانحلال قبل أن تقود دولة. وهذا تميّزها الذي لا ينافسها فيه أحد
المصدر: عالم برس نشر في عالم برس

