لاشك أن المغرب بلد المفارقات بامتياز, إنه بلد إسلامي يعتبر الإسلام ثانويا في قوانينه و تشريعاته, فرغم أن الملحدين و اللادينيين المغاربة و غير المسلمين, يشكلون ثلة ضئيلة بالمقارنة مع المسلمين لكن -الغريب في الأمر أن- هذه الثلة تبقى متحكمة في القضايا المصيرية لشعب بأكمله و تحكم قبضتها على المجالات الحيوية في البلاد. و من ذلك سؤال التشريعات القانونية الذي يظل محيرا للعقول بغض النظر عن طبيعة هذه التشريعات و القوانين, إذ أن بعضها فرضت منذ زمن الحماية الفرنسية و لازال معمول بها حتى الساعة, حتى و إن كانت تختلف عن خصوصيات المسلمين و تضرب الشريعة في الصميم.
فنظام الحماية و ضع قانونا يمنع المغاربة من إستهلاك الخمور بالمغرب, و كان هذا القانون بمثابة عربون احترام الخصوصية الإسلامية للمغاربة إلا أنه لم يحترم قط لا في عهد الإستعمار الفرنسي و لا بعده, و قد جاء ظهير يوليوز 1967 ليزيد من حدة المنع حيث أكد في بنده ال28 بمنع المغاربة من إستهلاك الخمور سواء بعدم بيعهم إياه أو منحه لهم مجانا. لكن الإشكال يبقى في التطبيق و التشريع معا, حيث أن سن القوانين و إحداثها يجب أن يراعي الخصوصية الدينية و الإديولوجية للمسلمين, لا أن يعتمد على خبراء أجانب همهم الوحيد إشباع نزواتهم و شهواتهم دون التحيز لمبدإ أو وازع, لأن الإعتماد على غير المسلمين سواء في سن القوانين أو غيرها لا يمكن أن يركز إلا على هدم قيم الإسلام و محاولة نشر أيديولوجيتهم التي يرونها أحق أن تعم العالم حتى و إن كانت تهدم أركان الشريعة و تستفز مشاعر المسلمين, غير أن مشرعينا مغرمون إلى حد الجنون بالقوانين العلمانية التي يستمدونها من نظرائهم الأوربيين الذين هم في درجة الكمال عندهم و لا يمكن تجاوزهم و إحداث تشريعات خاصة بالبلد الإسلامي, كما أن عائق التطبيق يظل السمة البارزة في سيناريوهات السلطة المغربية, إن بلدا إسلاميا لا يسمح بالمتاجرة في الخمور و لا يعطي رخصا لأي كان سواء كان ملحدا أو لادينيا أو غيرهما, و ذلك بحكم الهوية الدينية للبلد التي تفرض معاقبة شارب الخمر و بائعها و مشتريها و كل من له صلة بترويج هذه السموم من قريب أو بعيد, إلا أن دولتنا وضعت قوانين المنع و رخصت لفتح حانات على مرأى و مسمع من الجميع, هدفها مراكمة عائدات الضرائب بغض النظر عن مصدرها و دون ترشيحها من خلال ميزان الشريعة الإسلامية, فميزان الحلال و الحرام عند الدولة المغربية يخضع لمعيار الزبونية و المحسوبية, و قد تذكرت حادثة وقعت أمامي بمدينة بني ملال عندما خرج أحد الشبان من متجر أسيما حاملا كيسا بلاستيكيا ملآنا بزجاجات الخمور أمام الناس دون إستحياء فإعترض سبيله شرطي, ظن الجميع حينها أن الشاب قد حصل على عقابه المستحق, لكن سرعان ما تابع سيره بعد معاملة لطيفة من الشرطي, حينها أصابني الذهول و الفضول في آن واحد فتقدمت إلى الشاب و سألته كيف إستطاع أن يفلت من الشرطي بالخمر علما أن هذا الأخير قد فتش الكيس و علم ما فيه, فأجاب الشاب بثقة في النفس: ببساطة أريته وصل شرائي للخمر من أسيما, ألم تعلم أن هذا المركز التجاري لا يعاقب على إشتراء خموره.؟.. ذلك أن متاجر كبار الشخصيات في الدولة و أغنياءها لا ترضخ لقانون أو تشريع, بل تتعداه إلى السمو فوق القانون. فتطبيق قانون في المغرب على سبيل المثال يخضع لمعايير الزبونية و المحسوبية حيث يقوم القاضي بتحديدها وفق شروط محددة سلفا, كأن تكون فردا من عائلة مرموقة و معروفة بالمال و الجاه فأنت حينها فوق القانون و باستطاعتك أن تقوم بكل ما تشاء و أن تنتمي إلى العائلة الملكية و لو من بعيد فأنت سيد المواطنين و لك أن تخرق القوانين, و تمر في الأزقة الممنوعة و تصفع رجال الأمن إذا أوقفوك أو سولت لهم أنفسهم تطبيق القانون معك. و خير دليل على ذلك أن كل الحانات و مقاهي الشيشة و كازينوهات الدعارة و كل ملاجئ الفسوق و المجون و الميوعة و كل مواطن الخمور و محلاتها في ملك شخصيات بارزة في المشهد السياسي و الحكومي, و لا يعتبرون ذلك خرقا للقانون بل يعتبرون أنفسهم خارج الإطار التطبيقي للقانون, لأنهم في منصب من يملي القوانين و لا تملى عليه و ينكر و لا ينكر عليه بل أنهم شعب الله المختار -على حد ظنهم-. فالخمر محرم بالكتاب و السنة و الإجماع و لا إختلاف في ذلك بين أهل العلم, و كل من يدعي عكس ذلك فحديثه مردود عليه, و كل من يؤيد بيعه لغير المسلمين فموقفه مردود عليه كذلك, و لا سبيل إلى إباحة بيعه تحت أي دريعة كانت. كأن يعزو بيعها إلى إستقطاب السياح و توفير كل إحتياجاتهم, و ذلك مما يضرب الإسلام في الصميم على حساب الدنيا, فالإسلام يدعو إلى أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك, فكما أنك تحب أن لا تعاقب عن شرب الخمر فحاول أن تجنبها الناس حتى لا يعاقبوا كذلك, ثم إن الإسلام أمر بتغيير المنكر و كل من يشرب الخمر فهو يعصي الله و من عصى الله فقد إرتكب منكرا و من واجب المسلمين أن يغيروا المناكر بشكل أو بآخر لا أن ينشروه بأنفسهم. كذلك نجد الإسلام يأمر بالدعوة إلى دين الله و محاربة ا المناكر من المحرمات و كل مسلم معني بذات الخطاب لا أن ندعو إلى شرب الخمور و الاستفادة من عائداتها المحرمة , إلا أن واقعنا المر يدمي القلب و يضيق الصدر و لا أحد يتكلم, فعلماء المغرب أكل القط ألسنتهم و هم يشاهدون أبواب حانات الخمور مفتوحة على مصاريعها و لا ينبسون ببنت شفة لأنهم علماء السلطان فقط فلا يفتون بكتاب الله و لا بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا فيما يتعلق بالأهلة و أحكام الأضاحي, أما المحرمات الشائعة في المجتمع فلا سبيل إلى تغييرها مادام المفسدون يتحكمون في كل القرارات, حيث أن الغبار علا فوق ترسانة القوانين و لا أحد ينفضه. إن الدولة المغربية نهجت سياسة العلمانيين على مدى عقود خلت و أبان هذا النظام عن عجزه التام لمعالجة القضايا الحساسة في المجتمع المغربي, ثم تلا ذلك حكومة ذات مرجعية إسلامية و ليست إسلامية كما يزعم البعض فشتان بين حزب ذو المرجعية الإسلامية كفرع و بين حزب إسلامي أصلا و فرعا, و الإختلاف بينهما كبير, حيث أن الأول يمثل الإسلاميين في الحكومة فقط و لا يصوغ القوانين وفق نهج إسلامي أما الثاني فيرمي إلى تغيير نظام العلمنة بنظام الإسلام حيث يصير دستور الأمة هو القرآن الكريم و سنة الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم, و حيث أن الأمر كذلك فلا تنتظروا من بنكيران و حكومته أن يحرم ما أحله سيده, و أن يغير ما إرتضاه مولاه
المصدر: مصطفى أيتوعدي نشر في أزيلال أون لاين

