ذ . المصطفى سنكي موافقة عجيبة: أية موافقة هذه أن يتزامن النطق بالحكم على الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك مع قرار الحكومة المغربية برفع ثمن المحروقات بشكل غير مسبوق؟ أية دلالة لحدث إعدام نظام صادر الحريات والحقوق بفرض حالة الطوارئ لأزيد من ثلاثة عقود، وحدث زيادة غير مسبوقة في ثمن المحروقات في ظرفية استثنائية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا؟ حكم يقطع مع مرحلة وصفها رئيس المحكمة وهو يتلو نص الحكم بالسوداء وقرار يؤكد عرقوبية نسبة إلى عرقوب، كان مضرب الأمثال في إخلاف الوعود وعود إصلاح فاتح يوليوز ويضرب في العمق القدرة الشرائية لأوسع فئات الشعب. مفارقات غريبة: وُصفت محاكمة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك بأنها محاكمة القرن، وبأنها محاكمة تاريخية، وقد تستمد هذه التوصيفات شرعيتها من مركزية مصر في النظام العربي من جهة، ومن طبيعة النظام المصري السابق باعتباره “نموذجا” متكاملا للشمولية والاستبداد. لذلك، سعت أطراف عربية بترولية عدة لمقايضة محاكمة الرئيس المصري بما يخرج مصر من أزمتها الاقتصادية المعقدة، حفاظا على “هيبة” النظام العربي الرسمي. ترى، أية علاقة بين قرار الحكم بالسجن المؤبد على من اعتبر نفسه صانع مجد مصر حتى لقب “بابا مبارك”، وبين قرار حكومة صناديق الانتخابات المغربية بأغرب زيادة في ثمن المحروقات في كل الأزمنة بتعبير الصحافة الأمريكية؟ بمعنى أدق، أية علاقة بين ثورة 25يناير2011 المصرية وبين “ثورة” 25نونبر2011 أو ما يسمى ثورة صناديق الاقتراع؟ مصر الثورة، تقيم ميزان العدل قصاصا ممن صادروا أحلام أمة بأكملها وليس مَصر فقط وأذلوها وقايضوا احتكارهم للسلطة بمصالحها الاستراتيجية: التوريث للذرية مقابل ترسيخ التطبيع ووأد حلم شعب فلسطين في الحرية والكرامة. مصر الثورة تقتص ممن خانوا الأمانة وساموا الشعب صنوف الهوان والإذلال. و”إصلاح” توجته “ثورة” 25نونبر2011 أمعن في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، بل السعي اليوم دؤوب حثيث لسن قانون يضمن لقادة العسكر الحصانة من المتابعة الجنائية أثناء أداء مهامهم، وكأن أداء المهام لا يستقيم إلا بارتكاب الخروقات. إفلات من العقاب يكرس في الواقع تنكراً لدم شهداء الكرامة والعدالة الذين نالت منهم “الماكينة” القمعية في صفرو كما في الحسيمة وأسفي وتازة وبني بنوعياش، … وما ذكرى استشهاد كمال عماري عنا ببعيدة. مصر الثورة تتلمس الطريق لملمة لجراح عقود الاستبداد الثلاثة، وبناءً لجسور الثقة بين مكونات المجتمع التي أتقن الاستبداد اللعب على تناقضات مرجعياتها الفكرية والإيديولوجية ليخلو له الجو “ليبيض ويُصفر”، كما يقول المثل العربي. و”إصلاح” يناور ليسترد ما اضطر للتنازل عليه تحت ضغط “الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد.” باسم القوانين التنظيمية مرة، وباسم آلية التحكيم مرة ثانية، وباسم إحداث هيئات ومجالس عليا مرة ثالثة، محتكرا السلط في سائر المجالات باسم تناغم برنامجي القصر والحكومة. مَصر الثورة تتعاقد لوضع آليات اجتثاث الفساد والاستبداد توافقا على شكل نظام سياسي على مرأى ومسمع الشعب، تؤطره الوثائق والإعلانات الدستورية تحديدا لصلاحيات الحاكم وتُمَأسِسُه. مَصر الثورة تتداعى في أول انتخابات ديمقراطية وشفافة لتنتخب رئيسا يستمد شرعيته من التجاوب مع نبض الشارع توفيرا لأسباب الكرامة والحق في العمل والشغل والتطبيب. و”إصلاح” تنكر لوعوده وخيب آمال من صفقوا له، فأعلنها حربا متعددة الواجهات: الحرب على بناء عشوائي، قمع المعطلين، محاكمة المحتجين، إعداد قانون الإضراب، زيادة خيالية في ثمن المحروقات، … مَصر الثورة تتعبأ لقطع الطريق على رموز الفساد والاستبداد، وتنظم صفوفها وتوحد كلمتها لإسقاط مرشح “عقود الطوارئ والرصاص” في الدور الثاني من الاستحقاقات الرئاسية، جاءت المحاكمة بتوقيتها ومنطوق حكمها رسالة إيجابية ودالة. و”إصلاح” يزكي رموز الفساد ويعترف بكفاءتهم على حد تعبير رئيس الحكومة ويوافق على إعادة انتشارهم يديرون شؤون العباد والبلاد دون أن تتجرأ حكومة “محاربة” الفساد على تقييم أدائهم ووضع آلية لمراقبتهم، ولو من باب الإشعار الشكلي. مَصر الثورة تنتشي وحُق لها ذلك بقضاء امتلك الجرأة ليقول كلمة الحق متحررا من طوق التعليمات وارتجاجة “vibreur” الهاتف النقال قبيل النطق بالحكم، فسمى الأشياء بأسمائها، وانحاز إلى إرادة الشعب الذي طالب بالعزة والكرامة قبل أن يطالب بالخبز والشغل والسكن والتطبيب. و”إصلاح” ما زالت تستهويه لعبة الهروب إلى الأمام، كسبا لوقت ضيّع منه الكثير، يوهم الشعب أنه قاد ثورة بنفسجية، وأن الزمن “الإصلاحي” سابق لثورات الربيع العربي، وأن معضلة القضاء تختزل في إحداث بنايات أو ترميم المتهالك منها وأزمة لوجيستيك وخصاص أطر وتواضع أجور للعاملين في القطاع، ناسيا أو متناسيا ألا نزاهة للقضاء، ولا استقلالية لقراره ما لم تفصل السلط فصلا حقيقيا لا شكليا، وتحدد الصلاحيات ويسمو القانون على الولاءات والألقاب؛ وإلا كيف يُزج في السجن بشيخ عجوز ذي العقود الثمانية بتهمة سلمنا بوجودها إهانة هيئة القضاء، ويطلق سراح من أهانا مسؤولا أمنيا أمام الملإ، قبل أن تتضارب الروايات في شأن النازلة تكذيبا وتحريفا؟ مَصر الثورة تغلق ملف استبداد عمَّرَ ثلاثة عقود، وتتخلصُ من كابوس جثم على صدور العباد لتعانق الحرية وتتنفس الكرامة، فإذا الشعب يعرف أن للعيد طعما، وأن الحرية أغلى وأحلى رغم ثقل إرث الاستبداد وتركته اقتصادا واجتماعا. و”إصلاح” فضل أن يصب الزيت على النار، تأجيجا للاحتقان الاجتماعي، واستخفافا بإرادة الشعب، وتأكيدا على التمسك بنفس النهج الذي أثار رياح التغيير وفجر الثورات التي زلزلت أنظمة خال فراعنُها أنهم غيرُ معنيين بالتغيير. “إصلاح” يبدو أنه اختار الإجراء الخطأ، في الزمن الخطإ، وخانته الحكمة، وهو يعلم أن الزيادة في ثمن المحروقات تعني بالضمن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وسائر الخدمات. مَصر الثورة تختار والتوفيق من الله تعالى متى توجه الضربة القاضية للاستبداد وأزلامه، وتطوي صفحات عهود بئيسة كئيبة. و”إصلاح” أجبر الحكومة أو زيَّن لها أن تطلق النار على نفسها، فيما يشبه الانتحار السياسي، في واضحة النهار، زيادة في إرباك أدائها المرتبك أصلا، بحثا ربما عن مسوغ لإجراء تغيير اضطراري يستبدل من بدا للنظام أنه استنفذ أغراضه، وأن عِلَّةَ استقدامه انتفت وفق آلية ديمقراطية: سحب الثقة. تُرى، من اتخذ القرار بإطلاق النار؟ في كلمة واحدة: يقال: من صحت بدايته أشرقت نهايته، ومن ارتبكت انطلاقته لم تسلم عثرته. ثورتان جمع بينهما نفس تاريخ الانطلاق 25 وفرق بينهما السياق والمساق؛ فما أبعد الشُّقّةَ بين سياق ومساق!
المصدر: المصطفى سنكي نشر في أزيلال أون لاين

