تعتبر مهنة التربية والتكوين من أهم العمليات الأكثر تعقيدا والتي تعترضها مجموعة من الصعاب وخصوصا أن الإنسانية في صراع مستمر لتجديد الطرق التربوية الأكثر نجاعة والعائدة بفائدة كبيرة على المجتمعات، ومن أجل ذلك تظافرت جهود العلماء والباحثين لتطوير وتجديد كل النظريات المتعلقة بالطفل وبكل جوانب شخصيته، نفسيا واجتماعيا وبيولوجيا، وهذا العمل جاء بعد اعتبار التربية والتكوين من أهم أسس رقي المجتمعات. وباعتبار الطفل أو التلميذ محور عملية التدريس وقطب رحى المنظومة التربوية فكل الجهود تبذل من أجله ومن أجل استيعابه لما يقدم له من دروس ومعلومات وتجارب واستثمارها بشكل ايجابي إلا أن عملية التدريس والتفاعل بين ثنائية مدرس ومتمدرس تسودها علاقات غير متكافئة وغير ديمقراطية في الغالب وخصوصا السلطوية التي يمارسها المدرس على متعلميه عن طريق العقاب بكل أنواعه ظنا منه أنه وسيلة مثلى للتحصيل والاهتمام والتفوق. ومن منا لا يتذكر العقاب البدني الذي تعرضنا له صحبة الفقيه بالمسيد من” فلقة” و “تحمال” واستعمال كل عصي الأشجار الصلبة خصوصا الزيتون والذي يأتي على مختلف أماكن الجسم وبشكل عشوائي، ولإقناعنا جميعا والنصب علينا حينما نشتكي من الجروح والكدمات والانتفاخات، يكون رد الآباء تارة أن أماكن الضرب بعصا الفقيه لا تقترب منها نار يوم القيامة وتارة أخرى “تكبر تنساها” وبذلك يعطى الضوء الأخضر لممارسة شتى أنواع العقاب على أجسام نحيف “نت أسيدي دبح وأنا نسلخ” حيث كان الجميع يعتقد أن العقاب وسيلة لإرغام النشئ على العمل الجدي والانتباه، وبذلك كانت مرحلة “المسيد” أو “الكتاب القراني” لا تنسى وما يتنماه الطفل هوموعد التحاقه بالمدرسة النظامية والتخلص من كابوس”الفقيه” الذي أرعبه وأربكه ونغص حياته الطفولية البريئة لكن هل المدرسة النظامية أحسن حالا من المسيد؟؟؟؟
بسبب تعدد الطرق البيداغوجيا وتطور طرق التدريس وديدكتيك المواد، انكبت المدرسة النظامية المغربية على استثمار كل هذه المستجدات وتم الاعتناء بخصوصية التلميذ وحالاته النفسية والجماعية والاجتماعية حيث خلصت كل الأبحاث الدولية والوطنية أن التلميذ وتعلمه يجب أن يتم بعيدا عن العنف الجسدي واللفظي احتراما لمبادئ حقوق الانسان عامة بعدما تأكد بالملموس أن القمع والعقاب يِؤدي إلى نتائج عكسية كعقد نفسية تلازمه طوال حياته، هكذا إذن عملت الوزارة الوصية ومنذ زمن بعيد على إصدار مذكرة تحرم العقاب البدني و بداية كل موسم دراسي تذكر النيابات الإقليمية بفحوى المذكرة السالفة الذكر، محملة تبعات ذلك كل من خرقها، لكن يبقى السؤال نفسه مطروحا، هل هذه المذكرة لقيت تجاوبا في واقع المدرسة؟ لم تكن المذكرة وحيدة بل دعمت بمجموعة من الوثائق والآليات التحسيسية كمرصد الطفل وحقوق الطفل… إلا أن ومع كامل الأسف لازالت ظاهرة العقاب البدني مستمرة بفصولنا الدراسية ولو بشكل أقل حدة، وقد يكون لأسباب بعيدة عن التحصيل وعدم الإنجاز وخصوصا عدم الإنضباط والتشويش على الآخرين أما من مر بتجربة مريرة بعد خطأ مهني بسبب العقاب وقد يقتضى الأمر الوقوف أمام المحاكم، فالسخط والعقاب قد يكون سبا وشتما ومما رسات لها تأثيرات نفسية خطيرة على مستقبل الطفل. قد لا يختلف الإثنان عن الدواعي الموضوعية التي تدفع بعض الأساتذة وبدون شعور، وبمعرفة مسبقة بتحريم العقاب، إلى الإلتجاء لهذه الوسيلة كالاكتضاض وانعدام وسائل العمل… لكن تبقى الجهات المسؤولة والوصية بنصيبها الكبير في استمرارية الظاهرة، إذ المذكرة الوزارية وحدها غير كاف ولا بد من التحسيس والتكوين وحصر الأسباب الذاتية والموضوعية للظاهرة بعد تمكين كل المؤسسات التعليمية من طبيب نفسي ومراقب اجتماعيAssistant social للحد من التوابع والتدخل في الوقت المناسب.
المصدر: ابراهيم بنوفغى نشر في صحراء بريس

