ذاكرة واد نون من إعداد : إبراهيم بدي [email protected] ينام الصوت في جفن المكان كما تنام النجوم في كبد السماء .. و يبقى الأشخاص على قدر و اختلاف مكانتهم , ممن قدموا تضحيات جسام بكل فخر و اعتزاز للبلاد و العباد , ترقى بهم أعمالهم إلى حب الناس و التقدير و الاحترام رغم رحيلهم عن هذا العالم . هؤلاء الذين نخص بهم هذه الذاكرة الوادنونية , سيضل نجمهم مبتهجا مضيئا لامعا , و وشما مرسوما في ذاكرة كل واحد منا .. ارجوا أن لا يلوم احد قلمي إن كان قد تاه و سلب رغما عنه لهنيهة و لم يذكر اسم الشخص الذي لم يتذكره , فلا تظن انه سيهمله أو ينساه .. بل سيعود إليه بعد نقطة نهاية كل مقال من هذا العمود , ليبدأ سرد وقائع سيرة و بطولة شخصية أخرى و هكذا دواليك , لنذكره بما للتذكر من معنى روحي , فلسفي , اجتماعي , سياسي و إنساني .. فقد ينتهي الليل ليبدأ نهار جديد تعانق أشعة شمسه الدافئة خيوط بيوت العنكبوت المنسية و المنزوية في مكان ما من هذا الكون .. لكنها ستظل براقة و لامعة كالأحجار الكريمة .. و نحن في مسيرتنا هاته للبحث عن هذه الأحجار الكريمة و النادرة و التي لا يوجد لها نظير في عالمنا هذا إلا مرة واحدة , من اجل ذلك نرحل بكم شرقا بدءا بجبال امزلوك لنصل إلى عمق تخوم مدينة أسا حيث الواحة و لكصر ,حيث الشهامة و البطولة , العلم و الدين و ما إلى ذلك .. هذه المدينة أو القلعة الشامخة التي تعانق وادي درعة و تتناغم مع جريانه في حال غضبه و جوده عليها , كما تتناغم ساكنتها , التي احتضنتها جغرافيا صعبة و قاسية جدا من حيث طقسها و تقلباته , لكن أهل و سكان أسا ظلوا متشبثين بهذه الأرض في تحد معلن لقسوة كل الظروف الطبيعية ، و هذا ليس بغريب على أشخاص من طينة احد أبناء أسا و الزاك , و الذي نتناوله في عددنا هدا ، ألا و هو المرحوم بالله راح فضيلي , هذه الشخصية التي يصدق فيها قول الشاعر ابن زيدون احد شعراء قرطبة : أغار عليك من عيني و مني *** و منك و من زمانك و المكان و لو أني خبأتك في عيوني *** إلى يوم القيامة ما كفاني انه المرحوم بالله راح فضيلي المنارة التي أضاءت سماء أسا / الزاك ووادي نون . ازداد سنة 1930 بمدينة أسا ، تشبع و ارتوى من العلم و التعلم من منابع علمها إلى أن صار يافعا , و كباقي من عايشوا فترة الاستعمار الفرنسي و الاسباني من أبناء الجنوب كما أبناء الشمال ، بكل تلوينها و تمفصلاتها و نضالاتها البطولية ، كان المرحوم من أبطال المقاومة بالجنوب المغربي ، حيث أبان رحمه الله عن شجاعة و إقدام قل نظيرهما ، لينخرط سنة 1954 في صفوف أعضاء جيش التحرير من اجل مقاومة المستعمر و الوقوف إلى جانب باقي الوطنيين لتحرير البلاد و استعادة كرامة و تحرر الإنسان المغربي ، و بمشاركته الفعالة و الناجعة و الحاسمة في عدة عمليات فدائية بكل من ايت بعمران و طانطان و طرفاية ، و بفضل شجاعته و إقدامه تمت تسميته و ترقيه ليصبح قائدا و رئيسا لوحدة عسكرية ( قائد الرحى ) تسمية كانت تطلق أيام المقاومة على قسم عسكري . و في سنة 1956 أي في مستهل استقلال المغرب التحق المرحوم بالله راح فضيلي بصفوف القوات المسلحة الملكية مباشرة بعد تأسيسها ، و بفضل خبرته العسكرية و تمرسه في المجال العسكري تمت ترقيته إلى رتبة ضابط صف . و في سنة 1972 و بعد أن أمضى 18 سنة من العمل العسكري ، تمت المناداة عليه للالتحاق بوزارة الداخلية ليشغل منصب قائد ، و هذا التعيين الجديد لم يأتي من فراغ و لا عن طريق الصدف ، بل كان تتويجا لمسار رجل شهم صلب المواقف و مقدام فكان الرجل المناسب و في المكان المناسب ، لما كان يحتاج إليه الوطن و هو في طور تأسيس المؤسسات و الأركان الأساسية لسيادة الأمة ، و لما تقتضيه المرحلة أيضا من رجال قادرين على بناء و تشييد صرح الأمة و إرساء كذلك الدولة القوية ، و كان هذا التعيين سنة 1974 .و ظل بهذا المنصب السامي إلى أن تمت ترقيته قائدا ممتازا ، وهو المنصب الذي ظل يشغله إلى حدود سنة 1990 ، و في سنة 1991 انتقل إلى الرفيق الأعلى عن سن يناهز 61 سنة . فلنا أن نفتخر و نتباهى بشخصية من أمثال راح فضيلي نحن أبناء منطقة واد نون و الصحراء عموما ، و أسا و الزاك خصوصا . و اعترافا لما قدمه هذا الرجل المقدام من تضحيات جسام بكل حب و تفان خدمة للوطن بكل إخلاص ، تم توشيحه بوسام الرضى من الدرجة الأولى من قبل المرحوم الحسن الثاني . و كانت أهم انشغالات المرحوم هو وضع مصالح البلاد فوق كل اعتبار ، و هو بذلك يبقى الشخصية المرموقة و المتميزة و بطل ملحمة المجد التي ستخلد على مر العصور ، ملحمة البطولات حيث التاريخ المشرق ، و ذكرى على الدرب المنير .. و إلى روح الفقيد المرحوم بالله راح فضيلي و إلى كل شخصيات واد نون نقول على لسان الشاعر : يا من غدوت في الناس مشتهرا *** قلبي يقاسي عليك الهم و الفكر إن غبت لم الق إنسانا يؤنسني *** و إن حضرت فكل الناس قد حضروا. صورة للمرحوم بالقصر الملكي بمناسبة توزيع السلاح على بعض أعيان المنطقة.
المصدر: صحراء بريس نشر في صحراء بريس

