تطايرت أمامي متعمدة مسافة متر و متر آخر و أمتار أخرى كجرادة تائهة . كانت مجعدة و خضراء كخضرة الحقول، و كخضرة عينين أحببتهما يوما لما نبت زغب ذقني ، لكن خضرة أمعائي من جوع يومين كانت أشد . أجبرتني على رؤية كل الأشياء ضبابية الألوان و الأشكال . تطايرت الورقة الخضراء
و تطايرت . لم تكن هناك ريح تُطيرها أمامي . كانت ورقة نقدية . كانت خبزا و زيتونا و طبق فاصوليا بمرق دسم و تفاحة و دلاحة و براد شاي منعنع . كانت ببساطة رمحا أبقر به بطن الجوع الكافر . أصرت الملعونة على الهروب إلى الأمام .. خارت قواي و سقطت .. توقفت هي عن الحركة .. زحفت إليها على بطني كفقمة قطبية .. ضحكتْ و تحركتْ .. قلت : – توقفي رجاءا . قالت هازئة : – اتبعني إن استطعت . قلت و ضباب الغشاوة قد عمى عيني : – وهنتُ.. وهنتُ . شعرتُ بدوار حلزوني الشكل .. تراقصت الأشياء أمامي و تناسخت عشرات المرات ، و استوى خدي مع أرض متربة ، و استنشقت التراب ممزوجا برائحة الروث ، و ترامت إلى مسامعي ضحكات صبية وراء شجرة الخروب الهرمة .. و هويتُ في الدرك الأسفل من دوار عميق بلا قرار .. بعد مدة طالت أم قصرت لم أكن أدري، حشرج صدري و بصقت التراب و الروث .. سمعت جلبة أقوام أحاطوا بي كالسوار . قلت متلعثما : – لا أريد أن أستفيق للجوع و العري و الوطن . رشّوا علي الماء البارد ، فاستفقت مضطرا . فتحت جفني المثقلين برصاص العبودية و التشيئ . رأيت أطياف صبية و امرأتين ، إحداهما ضننتها أمي و الأخرى خالتي . قلت: – أمي.. إني جائع . انتحبت و قالت : – يا كبدي ، أنت جائع ؟ جاءتني برغيف أسود . شممت أريجه الخارج من الجنة .. تصلب فكّاي . و التحمت أضراسي ، و عجزت عن المضغ . جاءتني الخالة بحليب مُعَسَلٍ. قطرته بتيلة قطن بين شفتي المزمومتين . انساب السائل اللزج بين أسناني حلوا كحليب أثداء الأمهات . تعمدت إبقاءه في فمي قبل ازدراده و قلت : – أمي . قالت من اعتقدتُ أنها أمي : – إني أمك عند الله . قلت : – أين أنا ؟ ردت مبتسمة : – أنت في دار الأمان . صدقت الشريفة ، فلا يخرج الحليب المُعَسَلُ إلا من دار الأمان.و سألتها عن الورقة الخضراء ، فأجابتني بحسرة واضحة أن صبية الحي ربطوا الورقة النقدية الخضراء بخيط رقيق و كانوا يجذبونها- كما رأيت- ليصنعوا فرجة . قلت في نفسي ” هي لعبة إذن ؟ ” . قالت مستعطفة و مسحت على وجهي بمنديلها : – سامحهم يا بني فهم صبية . قلت : – أسامحهم ، بشرط ألا يعودوا إلى لعبة الخيط و الورقة الخضراء .
المصدر: محمد مباركي نشر في طنجة الأدبية

