المشهد الأول: فصلية مغربية سياسية، تصدر بين الفينة والأخرى، خصصت غلاف عددها الأخير لموضوع حركة/ظاهرة 20 فبراير، ونقرأ في الغلاف أيضا، مادة عن “الشعب الذي يريد إسقاط حزب سياسي (لا يهمنا ذكر إسمه، تماما كما لا يهمنا ذكر إسم الفصلية..)، إضافة إلى مادة ثالثة وأخيرة، عبارة عن حوار مع فاعل سياسي، يُعتبر بيت القصيد نجل زعيم سياسي اشتهر بكونه أحد رموز الفساد السياسي في العهد القديم والجديد. لندقق قليلا في الغلاف، تصفية الحسابات السياسية مع الحزب المعني، أمر يهم مدير المنبر الإعلامي، وهذا شأنه الخاص، وقد يتفق مع فرقاء سياسيين آخرين، وإذا سلّمنا بأن هذا الحزب، يُسيء للعمل السياسي، ويخدم خيار الميوعة السياسية، فإن القارئ “العادي” سيتفق بشكل أو بآخر مع الرسالة الموجهة عبر اللجوء لهذا العنوان، مقابل الانتصار (النظري) للبديل الذي يطرحه المنبر الإعلامي في نفس الغلاف: الترويج لفاعل سياسي يُعتبر أحد رموز الفساد السياسي/الحزبي في العهدين القديم والجديد. من باب التدقيق أكثر، مدير نشر المنبر الإعلامي المعني، محسوب على جهات تشتغل على تبييض أموال المخدرات، وبالرغم من ذلك، يرفع شعار الحرب على الفساد، و”الشعب يريد إسقاط الفساد”. المشهد الثاني: يومية مغربية “مستقلة” نشرت مؤخرا روبورتاجا مصورا، في إطار تلميع صورة منتجع سياحي مغربي أسال بعض المداد لدى هذا المنبر أو ذلك، وخاصة من طرف المنابر الإعلامية المحافظة، باعتبار أن المنتجع السياحي يُروج “للفساد والرذيلة”، ولأننا نعيش زمن الحرب على الفساد والرذيلة، تنتقد هذه المنابر إقامة المشروع ومشاريع أخرى بالطبع، وهذا شأنهم الخاص. مدير نشر المنبر اليومي “المستقل” الذي يُجمل صورة المنتجع السياحي، (مقابل الحصول على دعم مادي محترم)، يرفع هو الآخر شعار “الشعب يريد إسقاط الفساد والرذيلة”. نحسبُ أن الخطاب الملكي المرجعي المؤرخ في 9 مارس 2011، يؤسس للحظة تاريخية ومفصلية في الزمن المغربي، ليس فقط لأن سقف الإصلاحات التي جاءت في الخطاب مرتفع للمفارقة، عن سقف إصلاحات الفرقاء السياسيين مثلا (باعتراف الكاتب الأول لحزب يساري عتيد)، وإنما لأنه تًسبّبَ في تسليط الأضواء على أحد أكبر المخاطر البنيوية التي تُهدد هذه الأرض الطيبة: الفساد دون سواه، أو “الفساد وسنينه” بتعبير أحد عناوين مؤلفات الكاتب المصري فهمي هويدي. بَدَهي أن مواجهة الفساد تتطلب إجماع أغلب فرقاء الساحة على وجود الفساد أولا (أي طرق مرحلة الاعتراف)، وتتطلب في مرحلة ثانية وموالية، التفكير في مقتضيات مواجهته (مرحلة التأمل والتخطيط)، وفي مرحلة ثالثة، كتحصيل حاصل، الانخراط العملي/الميداني في مواجهته (مرحلة المواجهة المفتوحة). لنكن صرحاء قليلا: لا يمكن القضاء على الفساد نهائيا اليوم بالمغرب، من فرط فورته، ولكن يمكن التقليل منه، على غرار ما هو سائد في بلاد المعمور، والخطاب الملكي التاريخي، يؤسس عمليا، على المدى المتوسط، لهذه الخطوة التاريخية، ولذلك نعتبره خطابا تاريخيا بشهادة أبناء الداخل والخارج على حد سواء. ولأن المنابر الإعلامية، معنية بالحرب على الفساد، فإن تعامل هذه المنابر مع سرطان الفساد، يُعتبر مؤشرا ميدانيا على تعامل المجتمع وبعض صانعي القرار مع هذا الكابوس المجتمعي، لولا أن التعامل القائم اليوم، كما هو جلي في العديد من المنابر الإعلامية، (ومنها الأمثلة سالفة الذكر)، يُعطينا الانطباع أن الفساد متغلغل إلى حد التخمة في العديد من هذه المنابر. فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يمكن محاربة الفساد عبر اللجوء أو الرهان على أسماء فاسدة.
المصدر: منتصر حمادة نشر في أزيلال أون لاين

