فجأة، ينتفتح الباب بعدما كان موصدا، يتسلل ضوء خافت إلى المكان، أشعته كانت كافية لتألم أعين الموجودين في العتمة، شرعوا يتبادلون النظرات فيما بينهم، وهم متأهبين كل واحد منهم ينتظر أن ينطق رجل الأمن اسمه للتقديم أمام هيئة المحكمة، لكن رجل الأمن هذه المرة لم ينبس ببنت شفة، بصوته الجهوري الصارم، بل صمت وأصاخ السمع هو ومن معه من المتهمين لصوت آذان صلاة الجمعة، ارتفعت أصوات همهمات بالدعاء، الكل افتقد اللحظات التي يقضيها المرء رفقة أسرته، سيما أن اليوم يوم الجمعة، تجتمع فيه الأسرة على قصعة كسكس، تتقوى الوشائج والعلاقات ، وتتبخر الخلافات فيما بينهم حولها، وتعود مياه الود إلى مجاريها، أدركوا الآن معانيها وقيمتها بعد فقدانها، لم يقطع لحظة الصفاء والحنين الرومنسي هاته، سوى وافدون جدد سبقتهم إلى المحجز رائحة كسكس شهي، لكنهم لم يصدقوا ما اشتمته أنوفهم إلا بعد أن وضع موظفون قصعات من الكسكس بداخل المحجز:«يلاه آ الدراري باسم الله!»، التأم الكل حول القعصات يأكلون بنهم، من الحين للآخر تتعالى ضحكات قهقات الآكلين، حاثين بعضهم البعض على المزيد من الأكل، حتى آخر حبة من الكسكس!
لم يتوقع المتهمون المحالون على أنظارالمحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع، أمس هذا الكرم البالغ، فلطالما اقترن هذا المكان في مخيلتهم بالعقاب، لكنهم لم يدركوا أن عهد الانغلاق ولى، وأن عهدا جديدا من الانفتاح على المحيط الخارجي دشنته المحكمة عبر إنشاء جمعية للتكافل والاجتماعي، وعقد شراكات، كان من ثمارها هذه الالتفاتة نحو المعتقلين بشراكة مع جمعية صمود لمكافحة الجريمة0 أنس بن الضيف
المصدر: أنس بن الضيف نشر في الأحداث المغربية

