لمؤلّفه: ربيعة أبي فاضل يبرز المؤلف في الفصل الأول دور الشّعر في التّعبير عن الرّوح العربيّة وميلها الفطريّ إلى الشّرف والنّبل وتعلّقها بالإجادة في مجتمع ما قبل الإسلام حيث كان الشّعر ديوان العرب ومستودع أخبارهم، كما يبرز ما فرض الإسلام على هذا المجتمع القبليّ من تغييرات شملت الحياة العقليّة والاجتماعيّة غيّرت مواضيع التّفكير وأساليب التّعبير وهي تغييرات طبعت في نظره التّراث العربيّ بمرحلتين: (1المرحلة الجاهلية: التي تميّزت بعمود الشّعر وبما تنطوي عليه من عبقرّية حملت هموم الإنسان العربيّ فعبّرت بوصف بديع وتأمّل عميق عن عواطفه وحكمته، ومن الأمثلة الجميلة التي يسوقها لبيان ذلك قول عنترة في المعلقة المعروفة: وقوله: (2 مرحلة الإسلام: التي بنيت على ما فاجأ به القرءان الكريم العالمين من سحر بيان وآيات معجزات وعلى ما أنجزت رسالته الخالدة من ارتقاء روحيّ وسموّ أخلاقيّ ومن تنظيم اجتماعيّ في مجتمع قبليّ ممزّق يعبد الأوثان ويفاخر بالآباء وبالّتفوّق والغلبة، وهو ما ساعد برأي كثير من النّقّاد على تهذيب الذّوق وتحسين مستوى الصّياغة والسّبك، وعلى الاقتراب من الفصاحة وحسن البيان ومن سلاسة التّعبير وسلامته من الموحش من الألفاظ والغريب من التعبير. ثمّ يتصدّى في الفصل الثّاني ليبين تقلّب حسّان بن ثابت بين المرحلتين: الجاهلية والإسلام، وكونه من فحول الشّعراء المخضرمين وأسرعهم إلى التّكيف مع المجتمع النّاشئ، اختطّ لنفسه أسلوبا جديدا يحسن التّعبير عن القيم الجديدة مع الاحتفاظ في ذات الوقت بنفس الخصا ئص الفنّيّة التي نمت وتطوّرت في مجتمع جاهليّ مختلفة قيمه وقضاياه فكان بذلك أشعر أهل يثرب، انفرد عن المبدعين من أهل زمانه بالالتزام بالدّفاع عن الإسلام ومبادئه السّمحة ومثله العاليّة، وبالرّدّ عن اعتراض المغرضين وفي طليعتهم ضرار بن الخطاب وعبد الله بن الزبعرى وأبو سفيان بن الحارث وعمر بن العاص ومن أشعاره المتميّزة في هذا السّياق قوله ردّا عن أبي سفيان بن عبد المطلب: لقد تأسّست في ظلّ التّحوّل الاجتماعيّ نحو الانضباط الطّوعيّ لتعاليم الإسلام قيم فنّيّة و ذوقيّة انطلاقا من لحظتين متمايزتين: الاتّصال و الانفصال، أي على الاتّصال بكريم الأخلاق وعلوّ الهمّة وعفيف الكلام، وعلى الانفصال مع حميّة الجاهليّة والفحش والبذيء من الكلام، ففي أجواء هذا التّحوّل الذي يوجّهه ويرعاه الهدي النبويّ، وبعدما أصبحت علاقة الشّعر ببلاغة القرآن علاقة قويّة ومؤشّرا دالاّ على الجودة وعلو المقام، تفتّقت قريحة حسّان عن شخصية مبدعة فذّة ارتفعت بملكتها اللّغوّية وبأسلوبها في النّظم والتّعبير عن ملكات أهل الجاهليّة وأساليبهم في القول، وفي أسرار البلاغة لعبد القاهر الجر جانيّ رأي يدعم هذا التّوجه الملتزم ويكرسه، حيت يقول في الصّفحة 215 ما نصّه: (وأبعد ما يكون الشّاعر من التّوفيق إذا دعته شهوة الإعراب إلى أن يستعير للهزل والعبث من الجدّ <>، لقد أشار المؤلّف عند نهاية هذا الفصل إلى ظاهرة النّحل في شعر حسّان الذي جمع بعد مرور قرنين عن رحيله، والذي كان ضحيّة الظروف التي ضاع فيها كثير من الشّعر، ثمّ تعرّض في الفصل الثّالث إلى الخصائص الفنّيّة لشعر الرجل الذي تميّز بالسّمات الفنّيّة المعروفة وقتها في بناء القصيدة و هي: البكاء على الأطلال، والغزل، والفخر، ومواضيع أخرى مثل وصف الطّبيعة أو تناول إحدى مكوّناتها بالوصف، ومنه نحو الإسلام وقيمه الجديدة حيث يركّز على الغرض من القصيدة. حيت استهل ما يقارب من خمس عشرة قصيدة بوصف الأطلال محافظا على تقاليد الشعر في بناء القصيدة، وهذا دليل يؤكّد من وجهة نظره حرص العرب سواء كانوا من المدر آو الحضر على احترام العادات الجارية في عمود الشعر، ومعلوم أن تلك العادات قد استقرّت على استهلال القصيدة إمّا بمقدّمة طلليّة أو غزليّة أو خمريّة أو بمقدّمة الشّيب والشّباب أو بوصف طيف الحبيبة أو بوصف اللّيل أو الهاجرة، بعد ذلك يتم التّدرّج إلى الفخر بالانتماء للقبيلة فالتّصدّي للغرض الرئيس كالمدح أو الهجاء أو الرّثاء أو الحماسة أو غير ذلك من المقاصد التي تعبر عن حياة العرب في الجاهليّة التي كانت ذات نسق متشابه، من حيثُ الصّراعُ والتّفاعلُ الاجتماعيُّ والانعكاساتُ النّفسيّةُ، فحسّان لم يخرج عن المناخ الغنائيّ للشّعر العربيّ بعد أن انتشر الغناء والأدوات الموسيقيّة في إحياء القبائل العربيّة وأنديتهم، ويورد الكاتب كأمثلة على شعر حسّان الجاهليّ قوله: وقوله: وقوله: وقوله: أمّا في المرحلة الإسلاميّة فقد وظّف حسّان شعرَه للدِّفاع عن المجتمع النّاشئ وقيمه الجديدة ، وتصدّى بمدح النبي والإشادة بالتفاف المؤمنين من حوله للرّدّ على هجاء المعاندين والمكابرين المتربّصين، فكان يقوم بشعره بوظيفة إعلامية هائلة في تثبيت عزائم المؤمنين وتثبيط همم الكافرين والمنافقين لذلك دعا له الرسول الأكرم قائلا: (( اللهم أيّده بروح القدس ))، وفي الأبيات الجميلة التي يسوقها المؤلّف شاهدا على ذلك قول حسّان: وقوله: وقوله وهذا من روائع شعره في مدح الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: وقوله: وقوله: وقوله: أو كقوله: وفي الفصل الخامس من الكتاب يعالج المؤلّف مسألة الحكمة في شعر حسّان الذي عدّه ابن سلاّم الجمحيّ في الطّبقات من فحول الشّعراء، موردا منها بعض ما جرى من الأبيات مجرى الأمثال كقوله: وقوله: وقوله: وقوله: ثمّ يتساءل في ختام هذا الفصل مشيرا إلى أنّ: ((النّقلة التي حقّقها شعر حسّان من عصبيّة الجاهليّة وأحقادها إلى روح الإسلام وأساليبه والمعاني السّامية التي ركّز فيها دعوته، قد ساعدته على التّطلّع إلى شخصيّة جديدة للإنسان وبنية جديدة للمجتمع، وعلى إحلال الجوهر القرآنيّ محلّ الحماسة الشّعريّة والتّجارب الدّينيّة محلّ التّجارب الجاهليّة، وكان من الطّبيعيّ أن تبقى بعض رواسب الماضي الجاهليّ في لاوعي حسّان ولغته ورؤيته، لكنّه مهّد حقّا في بعض نظراته الحكميّة لبطوليّة المتنبّي وعقلانيّة أبي العلاء ومثاليّة الشّريف الرّضيّ وشموليّة ابن عربيّ فهل يكون لحسّن فضل الإلماع ولمن جاء بعده فضل الإسماع؟)). ثمّ يُلْمِع المؤلّف في الفصل السّادس إلى حقيقة تبرز بوضوح عند دراسة ديوان حسّان مفادها أنّ استعماله الشّعر أداة دفاعيّة ووسيلة إعلاميّة فعّالة لصدّ اعتداء المعتدين وقمع هجوم المعاندين، بعد أن تحوّل التزامه على قاعدة الولاء والبراء من الحقل القبليّ إلى الحقل الدّينيّ فكان هجوه للخصوم لاذعا ومحقّرا بلغة قويّة ولهجة قاسية تصف منبتهم اللّئيم ونجاستهم المادّيّة والمعنويّة، وساق لتأكيد ذلك العديد من الأمثلة من أبرزها قوله: وقوله: وقوله: وقوله: وقوله: ويعود في الفصل السّابع ليؤكّد أنّ الغنائيّة الشّعريّة أبرز سمة لشعر حسّان، وهي غنائيّة أخذت على عاتقها خدمة الدّين وإبراز قضاياه وتوطئة المناسبات الاجتماعيّة التي عرفها المجتمع النّاشئ وتكريس ما كان يدعو إليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من قيم وأخلاق، وهي غنائيّة أحلّت في نفس الشّاعر حبّ الله ورسوله والمؤمنين محلّ حبّ المرأة أو القبيلة أو العشيرة، وبحسّ نقديّ ورأي محترم يختتم المؤلّف هذا الفصل معلّقا على شعريّة حسّان بالقول: ((وعلى الرّغم من كلّ ذلك فقد طغى على شعر حسّان المباشرةُ والوضوح، وافتقر إلى حدّ كبير إلى الخفر والسّفر في الميتافيزيقا شأنه شأن عظام الإنسانيّة مثل أبي العلاء ودانتي، وقد تكون الواقعيّة الملتزمة في إطار المفاهيم الإسلاميّة هي التي غلّبت العقل المتّزن على العاطفة الجامحة، والنّظم الواعي على الشّعر بمعناه المنطلق دون حوافز مسبقة جاهزة، من هنا لولا الرّثاء والبكاء على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومجاهدي الإسلام لغابت الغنائيّة بشكل ملموس، وغدت صياغة الشّعر في مرحلته الإسلاميّة مفرغة من الكنايات والاستعارات والرّموز الموحيّة)) والله المستعان وهو أرحم الرّاحمين التّوقيع: محمّد بن محمّد بن عليّ بن الحسن
المصدر: محمد محب نشر في أزيلال أون لاين

