ماذا لو فتح تحقيق وطني، جدي ومسؤول، حول البناء العشوائي ببلادنا لأجل محاربته؟
الأكيد أن أول قرار سيتم اتخاذه بعد التحقيق هو إعفاء عدد من المقدمين والشيوخ ومجموعة كبيرة من القياد من مهامهم، والعديد من الموظفين المكلفين بمراقبة البناء، بل وإيداع البعض منهم السجن، وأيضا عزل عدد ليس بالقليل من المنتخبين، رؤساء أو مستشارين، بالنظر إلى حجم تورطهم في هذا المجال.
«مافيا»البناء العشوائي أوالرشوائي فالأمر سيان تتقاسم أدوارها ما بين الوسيط (السمسار) والمقدم والشيخ والقائد، وتصل أحيانا كثيرة إلى مسؤولين «كبار» داخل ردهات العمالات والولايات، بل والوزارات أحيانا أخرى!
أحياء بكاملها نبتت كالفطر، بين عشية وضحاها وسط المدن المغربية، لم تنفع معها المحاولات الجادة لمحاربتها، أحياء تحولت إلى غيتوهات. أحياء صفيحية تتناسل هنا وهناك أمام أعين السلطات المحلية، بل وبمباركتها في أحيان كثيرة، ولم لا وحفنة من الدراهم قادرة على توفير الحماية لخرق قانون التعمير، لم لا والوعد بمنح الأصوات الانتخابية يقوم بالواجب.
عمارات باتت ليلا من طابق أو طابقين لتصبح نهارا بقدرة «مقدم» أو «قائد» مكونة من 3 إلى 4 طوابق من دون تصميم أو أساسات!.
إنها مافيا البناء العشوائي المنتشرة في كل المدن، مقاطعات وعمالات بدون استثناء، في بعضها قد يكون رئيس جوقتها هو المسؤول الأول بالمنطقة، وفي أماكن أخرى قد تكون هناك جماعات هي المتحكمة في هذه الشبكة، لكن الأكيد، والأكيد فعلا، أنها مزيج من هؤلاء وأولئك إنهم، «شياطين»
المدينة
، أباطرتها وحماتها.
أحياء هامشية نبتت كالفطر، أحياء تؤرخ لمرحلة من تاريخ المغرب، ضربت فيها الفوضى في مجال التعمير أطنابها في كل المدن المغربية، السبب تفشي ظاهرة الرشوة بالإدارة المغربية، لتنهزم السياسة التعميرية والحملة المناهضة للبناء العشوائي أمام إرادة وجشع الجيش العرمرم من المقدمين والشيوخ وسماسرة الغيتوهات بالمدن المغربية.
إنها سراديب
المدينة
، أحياء وأزقة لاترى الشمس، مبان قصديرية وأخرى من الآجور أقرب ما تكون الى الصناديق منها إلى المنازل، بنيت أمام أعين الجميع وبمباركة السلطة، فهي لم تظهر بين يوم وليلة. انطلقت كسرطان ينهش مساحات كبيرة من أراضي
المدينة
. ساهموا في انتشارها، وانتعشوا من تجارتها، وتركوا المسؤولية من دون حسيب ولا رقيب، ومن دون محاسبة ولامتابعة. وعندما كنا على أبواب الاستحقاقات التشريعية المنصرمة، بدأت رائحة الإسمنت والآجور والرمل والحصى تزكم الأنوف، بمجموعة من التجمعات السكنية بالمدن، وزادت حدة السمسرة، فالجميع يسعى لكسب ود السكان ولو على حساب جمالية
المدينة
، ولو استدعى الأمر خلق وضع عقاري شاذ في قلب مدننا، ولمن يسأل عن دليل، فليتجول في ضواحي العاصمة الاقتصادية الدارالبيضاء، وغيرها من الحواضر، ليطلع عن قرب على ماجرى ويجري، حيث الرشوائية تمهد الطريق إلى العشوائية، والرشوة هنا قد تكون نقدية، لكنها قد تكون أيضا وعدا بصوت انتخابي مفترض؟
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

