يعتبر مصطلح الحكامة من أهم المصطلحات التي تم تداولها في الحقل التنموي منذ نهاية الثمانينات، حيث تم استعماله لأول مرة من طرف البنك الدولي في 1989 الذي اعتبر الحكامة أنها: ” أسلوب ممارسة السلطة في تدبير الموارد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد من اجل التنمية”.
وقد جاء استعمال البنك الدولي آنذاك لمفهوم الحكامة في إطار تأكيده على أن أزمة التنمية في إفريقيا هي أزمة حكامة بالدرجة الأولى، بسبب فساد النظم السياسية وضعف التسيير والتخطيط. و يعرفها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأنها “نسق جديد من العلاقات والمساطر والمؤسسات التي تتمفصل بها مصالح المجموعات والأفراد، وتمارس الحقوق والواجبات، وتفك الخلافات والنزاعات، يقوم على تذويب التراتبية وتشجيع التشارك بين المسيرين والمساهمين وحسن التنظيم وتوزيع المسؤوليات وصقل القدرات ودعم التواصل داخليا وخارجيا”. ومن بين التعاريف التي يمكن استقراؤها أيضا أن الحكامة مقاربة ورؤيا وفلسفة جديدة للتغيير، لها مضمون اقتصادي مالي اجتماعي وسياسي باعتبارها النهج الأكثر نجاعة لتدبير الشأن العام. و هي إذا نمط جديد لتدبير السلطة والتنظيم السياسي والاجتماعي و رؤيا جديدة للدولة والمجتمع و العلاقات الرابطة بينهما، ولسبل قيادة التغيير، وهي بذلك أيضا مقاربة جديدة لتدبير التغيير في المرفق العمومي والخصوصي، والمجتمع المدني. وعموما، تم تعريف الحكامة من قبل كثير من الباحثين على أنها: “الطريقة التي تباشر بها السلطة في إدارة موارد الدولة الاقتصادية منها والاجتماعية بهدف تحقيق التنمية. استقيت هذه التعاريف فقط لأضع القارئ في موقع يمكنه من المقارنة و تحليل المغزى من سياسة الحكامة الرشيدة – كنهج معتمد من قبل المغرب في السنوات الأخيرة – و التي أضحت إستراتجية معتمدة عالميا في مختلف المجالات، ومقارنتها بواقع الحال في تسيير الشؤون العامة في بلدنا. و النموذج الذي ساقني إلى كتابة هذه السطور ليس سوى مثال بسيط على “ممارسات” أضحى من اللازم مناقشتها و تحليلها لما لها من تأثير على حياتنا الراهنة ومن تم على مستقبلنا لو بقيت شؤوننا تسير على نفس المنوال ومن طرف نفس العقليات، إذ لم يعد من مكان لرداءة التسيير في سباق التنمية و التطور. في حي إغير بمدينة دمنات ، و على مقربة من الحديقة العامة على الشارع الرئيسي، انكسرت قناة للتطهير السائل تحت الأرض على مقربة من حائط منزل مطل على الشارع. كان ذلك في أيام عيد الأضحى وقد بدأ تسرب الماء من القناة وسيلانه عبر الشارع المنحدر حتى وسط المدينة . لم يحرك أحد من المسئولين ساكنا إلى أن قام بعض الشبان بالحفر في محاولة لإصلاح تلك القناة، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك. وبقي التسرب على حاله لأيام وما تلى ذلك من دخول سيول مياه الأمطار إلى القناة و ما تحمله من أتربة و أزبال. استمر الوضع لأيام و السكان المجاورون يستنشقون الرائحة النتنة المنبعثة من الحفرة، ناهيك عن رذاذ الماء العفن الذي تقذفه السيارات على المارة، والمياه المنتشرة على طول الشارع حتى مقربة من المدرسة المركزية حيث تركد المياه وسط الشارع وتشكل شبه بحيرة من الماء الوسخ. بعد أيام عديدة، تدخل عمال البلدية أخيرا ( ولا أوجه اللوم لهم بل للمسئولين )، حيث أتى فريق منهم مزودين بأدوات يدوية للحفر. ظن الجميع أن الوضع سيزول أخيرا، لكن فكرة المسئولين كانت أكثر عبقرية حيت قاموا بالحفر في قارعة الشارع ليصلوا إلى قناة قديمة لمياه الأمطار كانت تقطع الشارع بشكل عرضي و تصب في الجانب الآخر حيث بنيت تجزئة جديدة آهلة بالسكان مما استدعى سد القناة المذكورة. حل مبدع تم اختراعه للتعويض عن الإصلاح الصحيح للقناة ( الذي يتطلب قادوسا أو اثنين و بضع ساعات من العمل لعاملين) و إبقاء المشكل في مكانه مع الحيلولة دون سيلان المياه على مد الشارع إلى الأسفل ؛ نظريا هي فكرة طبعا لكنها تنم على عقلية تضع الأولوية على إسكات الأفواه أكثر من حل المشاكل أو ما يصطلح عليه بالحلول التوقيعية. و هذه الظاهرة لطالما استشرت في قرارات المسئولين في هذه المدينة ما جعلها ( المدينة ) تكبر و تتوسع في غفلة عن معايير النمو و الازدهار و عن مقاييس التوسع والكبر.عودا إلى المياه المتسربة، فقد انسدت القناة/الحل بدورها ما أعاد المياه العكرة إلى مجاريها على طول الشارع العام ، ولا زالت كذلك حتى كتابة هذه السطور. لن أطيل في التطرق إلى هذه الواقعة أكثر، لأن غرضي من كتابة هذه السطور هو أعمق و أشمل، ألا و هو الخوف على مستقبل بلدنا من الفشل في سباق التنمية و تهديدات العولمة التي لا ترحم و لا تدع لنا الخيار في دخول معتركها. لقد أعطيت مثالا بسيطا واحدا فقط ، ينم في نظري على الأقل على تأخر بالغ و رداءة فادحة لدى مسئولي مناطق المغرب العميق في تسيير الشؤون العامة، و إن كان ذلك يذل على شيء، فإنما يذل على ضعف في التكوين و الخبرة و بالتالي على عدم الكفاءة، وهذا ليس بغريب على هذه المدينة التي تفتقر إلى العديد من المقومات الأساسية و البنية التحتية ، فكيف لا تفتقر إلى كفاءة التسيير و تدبير الشأن العام ، هي التي أضحت،و معها الإقليم ككل، من جهة “مطرحا” لقليلي الكفاءة أو المتدربين الذين يتم تعيينهم/إرسالهم من المناطق الأخرى، و من جهة أخرى هي مرتع لأشخاص اتخذوا من الترشح حرفة يتسللون بها إلى دواليب القرار ، يسيرون شؤون الناس دون أدنى مستوى فكري و بعيدا عن مقومات العقلية القادرة على التخطيط و التدبير. فهل تعي الدولة خطورة الرداءة في التسيير على مستقبل بلدنا، و متى يتم تقنين الولوج إلى تسيير الشأن العام بشكل جدي، سواء من جهة الوظيفة العمومية أو من خلال التسلل عبر الانتخابات، و التي كما لا يخفى تفتح الباب أمام عديمي الكفاءة، سماسرة المال العام، مافيات العقار، بل و حتى الفاشلين من أجل التدخل في سير الأمور التي تفوق قدراتهم و بالتالي التأثير على مستقبل أمة كاملة. إن مدينة دمنات ، تحتاج اليوم إلى إعادة نظر شاملة ، و تدخل مباشر من طرف سلطات عليا في الدولة لفكها من أزمة الرداءة و إعادة النظر في من يسيرون أمور هذه المدينة سواء كانوا موظفين أو منتخبين، و ذلك و لو بتكوينهم أو – و لم لا – ” التخفيف من تركيزهم ” بتوزيعهم توزيعا متكافئا على مناطق أخرى، لأن من سيسرون مدينة صغيرة كمدينتنا و لم يفلحوا في أي مجال من المجالات ، و لم يفكوا أي مشكلة من المشاكل، بل و تبدو الأمور فيها كما لو تمشي لحالها، الأجدى بالدولة إعادة تأهيلهم ، و في أقرب وقت ، و من قال غير ذلك فليمنحهم فرصة لتسيير مدينة أخرى كمراكش أو البيضاء و لو لشهر واحد، آنذاك سيفهم الجميع مدى فداحة الرداءة التي تسير أمورنا . رامي أمين
المصدر: أزيلال أون لاين نشر في أزيلال أون لاين

