للمغرب تقاليد مرعية لا يمكن تجاوزها، وتفرض هذه التقاليد أنه عندما تنتهي الانتخابات ينتظر جلالة الملك المحكمة الدستورية للموافقة على نتائج الانتخابات، ومباشرة بعدها يستقبل زعماء الأحزاب السياسية، التي حصلت على نتائج مهمة، ليهنئها، وبعد ذلك يعين عضوا من الحزب الفائز بالرتبة الأولى للشروع في إجراء المفاوضات قصد تشكيل الحكومة. فمنذ مساء الجمعة الماضي والمشهد الحزبي يعيش ما يمكن تسميته الهرولة السياسية نحو المناصب، حتى ظهرت الحكومة وكأنها سوق للخردة تباع فيه الوزارات وكتابات الدولة وغيرها من المناصب. وظهر أن الأحزاب السياسية، وبهذه الطريقة من التدبير السياسي للحظة التاريخية، لم تستوعب دورها الحقيقي، خصوصا وأن هذه اللحظة مرتبطة بدستور يوليوز 2011 الذي شكل علامة فارقة في تاريخ بناء الدولة المغربية، ومطبوعة أيضا بانتخابات الجمعة الماضي، التي تعتبر مفصلا تاريخيا في الاقتراع وفي الديمقراطية المغربية حيث تعتبر مناسبة قطعت فيها الدولة مع أي تدخل مباشر أو غير مباشر. وكنا ننتظر من الحزب الفائز ومن زعيمه أن يقطع حملته الانتخابية ومع شعاراته الاستجدائية لأصوات الناخبين ومع استعماله للخطاب الديماغوجي والديني، إلا أن تصريحاته تؤكد أننا أمام ممارسات سياسيين هاوين وليسوا محترفين وأننا لسنا أمام رجال دولة المستقبل، فكل الذين صرحوا هم من زعماء الحزب ومن المسؤولين الحكوميين المحتملين، عبروا عن نزعة إقصائية ضدا على الدستور وتصريحات تجرم الآخرين وأكثر من ذلك تصريحات عدم توقير الملك، الذي هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى، وإدخاله في نقاشات هو ليس موضوعها لأن جلالة الملك فوق الأحزاب السياسية وليس طرفا في المعادلة الانتخابية بل الضامن للديمقراطية والتي جسدها فعلا على أرض الواقع. ويبدو أن إشارات قوية كان لابد أن يتوصل بها زعيم العدالة والتنمية لكي على الأقل إن لم يلتزم الصمت أن يحرك لسانه سبع مرات قبل أن ينطق بما هو خارج الموضوع ولا جدوى من النطق به أصلا. إن ما سار فيه العدالة والتنمية من احتفالية وبهرجة زائدة على اللازم واحتقار للآخرين وانتشاء مرضي بالنصر وبشكل مبتذل، فيه كثير من المزايدات السياسية وقليل من احترام إرادة الناخبين، الذين هم كما صوتوا للإسلاميين صوتوا لغيرهم، وصوتوا لباقي الأحزاب كبر أو صغر شأنها، والأحزاب متساوية دستوريا، وهذا التساوي نابع من كونها مؤسسات دستورية تؤطر المواطنين، أما الهرولة لتشكيل حكومة لإغاضة الآخرين أو لإظهار عضلات بنكيران هو تغييب لمصلحة البلاد العليا في الاستقرار الاجتماعي الذي من أجله صوت المغاربة على الدستور الجديد وعلى الأحزاب السياسية بمن فيهم العدالة والتنمية. فمصلحة البلاد تقتضي التريت وتقتضي المسؤولية والرزانة السياسية وحتى التحالفات فهي معادلات صعبة يجب التفكير فيها وفي مستقبلها القريب والبعيد وهي ليست مسألة رقمية ولكنها مستقبل بلد بأكمله، والدستور الجديد عندما تحدث عن المعارضة ومنحها موقعا يوازي موقع الأغلبية فلأنه أراد أن تكون للبلد حكومة ظل توازي الحكومة وتراقب عملها وتسقطها إن اقتضى الأمر ذلك. إن للمغرب تقاليد مرعية في علاقة المواطن بالمؤسسات وفي علاقة المؤسسات بالملك ينبغي أن نحترمها لأننا لسنا بلدا طارئا على الوجود، ولسنا في بلد الفوضى.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

