صحيح أن اسمه ورد طويلا كواحد من المرشحين المحتملين للفوز بجائزة نوبل للآداب، إلا أن قطار اللجنة الملكية السويدية، كان يفوته في كلّ عام، لدرجة أن الأمر انتهى بالجميع لأن يعتقدوا أن ماريو بارغاس يوسا، الكاتب البيروفي، سيبقى واقفا على رصيف المحطة ولن يفوز بها، وبخاصة أنه على درجة كبيرة من الشهرة، كما أنه حصل على عدد كبير من الجوائز الأدبية المهمة، في شتّى بقاع العالم.
ا..
كانت الموسيقى صاحبة البطولة الأولى في حياة موراكامي، فرغم إعجابه بكافكا وديستوفيسكي وبلزاك وقراءاته المتنوعة في سنين شبابه المبكرة، لم يشعر بأنه يملك الموهبة اللازمة للكتابة الروائية؛ سيما وأن لوثة المقارنة مع الكبار كانت لا تزال تسيطر عليه. تخرّج من الجامعة وبحث عن الاحتراف في مجال آخر فافتتح بعد جهد مضن في جمع المال، حانةً صغيرة للجاز في
طوكيو
. كانت الحانة مسرحًا لعازفين هواة وإذاعة صغيرة لبثّ تسجيلات الجاز التي لم ينقطع صداها طوال سبع سنين هي عمر المكان الذي عشقه موراكامي لأنّه مكنه من سماع الموسيقى طوال الوقت.
ليس ممكنًا إذًا في معرض الحديث عن موركامي الفصل بينه وبين الموسيقى، والكتابة. كوّن الثلاثة معًا ثلاثيّة واحدة، تمامًا كثلاثيّة هيغل الفلسفيّة، وثلاثيّة الأرشيدوق الموسيقيّة، والثلاثيّة الأوديبيّة -ثلاثيّات نجدها في رائعته ?كافكا على الشاطئ?. لم يدخر موراكامي جهدًا في التأكيد على ذلك، يقول في محاضرة ألقاها عام 2005: ?الموسيقى! إنّها تعني لي الكثير, لقد تعلمت كل الأشياء عن الكتابة من خلالها?. لم يكن ذلك غزلاً مجوّفًا بل توصيفًا دقيقًا لما حدث، فعندما قرر موركامي كتابة روايته الأولى لم يكن يعرف شيئًا عن تقنيات السرد الروائي. الحل الذي توصّل إليه كان موسيقيًا صرفًا: اكتب كأنّك تعزف.
يقول موراكامي:
سواء كان الأمر في الموسيقى، أم في الأدب، أهم شيء هو الايقاع. إنّ الأسلوب يجب أن يحظى دومًا بإيقاع ثابت وطبيعي، وإلا فلن يقرأك النّاس. هكذا علّمتني الموسيقى..
أهم صفة يجب أن يمتلكها الروائي
أثناء المقابلات يطرح عليّ أحياناً السؤال التالي: ?ما هي أهم صفة يجب أن يمتلكها الروائي؟? وأهم صفة يجب أن يمتلكها الكاتب؟ هل يجب أن أقول هذا؟ الموهبة. إذا افتقر الكاتب للموهبة، لن يكون كاتباً أبداً، مهما اجتهد في ذلك، بدلاً من أنها صفة ضرورية يمكن القول بأنها شرط أساسي. بدون قطرة وقود لا يمكن حتى للسيارات الرائعة أن تعمل.
المشكلة مع الموهبة هي في كيفية السيطرة على النوعية والكمية. ليس من السهولة أن تضيف قليلاً إذا كان المخزون غير ملائم، أو تمط صلاحية الاستخدام من خلال الاختصار والقفز أو على الأقل لتكون على حق. الموهبة لا تجذب توقعاتنا، تشرب الجملة إذا رَغِبت في ذلك، وعندما تَشرب كل شيء وتجف، عندها يكون الأمر قد أنتهى.
وإذا سألتني ماذا بعد الموهبة، عندها سيكون جوابي بدون تردد: التركيز. القدرة على توجيه كمية الموهبة المحدودة التي تمتلكها على نقطة جوهرية واحدة. إذا لم تمتلك هذه القدرة، فسوف لن تضيف شيئاً مميزاً للكتابة. إذا كنت تمتلكها وتعاملت معها بكفاءة، عندها يمكنك تعويض نقص الموهبة.
من عادتي أن أقضي ثلاث الى أربع ساعات يومياً في التركيز على عملي. أجلس الى مكتبي وأكرس انتباهي على ما أكتبه فقط. لا أفكر بأي شيء آخر. لا أنظر الى أي شيء آخر.
والصفة المهمة الأخرى التي يجب أن يمتلكها الروائي بعد التركيز هي الصبر. حتى لو كنت تكتب بتركيز ثلاث أو أربع ساعات كل يوم، لن يكون لديك رواية بدينة إذا تعبت بعد أسبوع. الروائي أو أولئك الذين يرغبون بكتابة حجم معين يحتاجون الى القوة من أجل التركيز يومياً طوال نصف سنة، نعم، وحتى سنة أو سنتين على رواية واحدة.
من حسن الحظ أن هناك الى جانب الموهبة التركيز والصبر. وعلى هذا الأساس من الممكن تعلم الموهبة باكراً من خلال التمرين أو تحسين نوعية الموهبة. تجلس كل يوم الى المكتب وتركز على موضوع واحد، عندها ستنمو لديك قوة التركيز، والتحمّل.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

