قد يكون الحديث عن دور جلالة الملك لتحقيق التغيير المنشود مثار مزايدة من طرف البعض الذين من المفروض أن يكونوا شركاء في العملية الإصلاحية برمتها، غير أن تشخيص الواقع الحكومي انطلاقا من الواقع العام الذي عشناه خلال المدة الأخيرة ولا زلنا نعيشه، نجده يفتقد لأسلوب الشجاعة والجرأة المطلوبتين لدى الهيآت السياسية المكونة للحكومة، وصارت السمة الأساسية لغالبيتها هي فقدانها للثقة بالنفس وعدم الاقتدار السياسي ومن جملة ذلك فقدان بوصلة التنظير الصحيح لاستشراف المستقبل بناء على قناعات تفرضها حساسية الظرفية حتى بالنسبة للقضايا السيادية.
ومعلوم أن اللحظة التي تمنح فيها صلاحيات أكبر في التدبير الحكومي مقارنة مع ما كان متاحا سابقا، تعتبر لحظة حرجة وخطرة كل الخطر، إذ أن اتخاذ إجراءات قد تعتبر ضرورية في كثير من الأحيان يكون أكثر ضررا من فاعليته, فقد يرتكب الطفل جريمة قتل دون أن يكون متفطنا إلى قيمة الحياة، وقد يسلب شخص آخر ما يملكه قبل أن يعي أن ما يملكه قد يؤخذ منه غصبا؛ فالحكومة الحالية منحت في إطار سياق إقليمي واستكمال داخلي للإصلاحات، صلاحيات كبيرة تتصرف معها اليوم بمواقف الطفل إزاء الطبيعة كلها. وذات المنطق يحمل في ثناياه وعودا بإصلاح الأمور وتعويض الناس عن المتاعب والآلام وفي ذلك تخدير لأعصاب المواطن بسقف وعود مرتفعة لتظل هكذا غافلة إلى أن تفيق وتتفطن لنفسها وتشعر بما هي فيه من بؤسو شقاء. قد نكتفي بمنعرج وحيد على خطورته لارتباطه بالسيادة الوطنية والذي كاد يشكل كارثة لولا تدخل جلالة الملك في اللحظة المناسبة لتجنب الأسوأ في مسار نزاع الصحراء والذي تعددت فيه الأسباب بين مخالفة الاطار القانوني المتفق عليه بمناسبة وقف إطلاق النار، أو نتيجة توجهات تيار معين داخل الإدارة الأمريكية الجديدة أو ..إلخ، ولكن الحقيقة المرة في هذا الباب كان منطلقها سوء تقدير حكومي منذ أول جلسة مساءلة لرئيس الحكومة أمام ممثلي الأمة… ليعلن بتعبيره المعتمد للتصريح لا التلميح في غياب رؤية متعددة الأبعاد في شقها الدولي، ليعلن آنذاك على انطلاق تهييء مسلسل اللحظة الخطرة على المصلحة العليا للبلاد بقوله “بحال الصحرا بحال الداخل و “ما كاين توظيفات”؛ والأكثر من هذا أن الاجراءات التدبيرية للوقاية من الأزمة الدولية، لم تسعف الحكومة في البحث عن بدائل بالصحراء سوى النية في الإعلان عن احتمال نهاية الإعفاءات الضريبية بالصحراء وهو موقف غير مؤسس على معطيات تهم المصلحة العليا للبلاد لكونه لم يميز بين من يشق طريقه خدمة للعملية التنموية للوطن، وبين من اغتنوا لعقود على حساب ساكنة الأقاليم الجنوبية للمملكة. فالخطاب الملكي الأخير، بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، الذي اندرج في سياق مسترسل ومتكامل تتحدد من خلاله معالم التوجهات الاستراتيجية الملكية للنزاع المفتعل حول الصحراء في ظل معطيات جديدة أفرزتها التحولات الدولية والإقليمية بنفحات التأثير والتأثر. والدي جاء بحمولة التعبئة القصوى من أجل الاستعداد للمحتمل الأكيد وهو بداية العد العكسي للحسم في مجموع النقط المرتبطة بقضية الصحراء من الزوايا الايجابية والسلبية وهو ما جعل جلالة الملك عازما على المرور إلى السرعة الفائقة في مقاربة الموضوع تفاديا لأي طارئ قد يكون بنكهة التحامل الخارجي، وبدا واضحا أن الحكومة لم تستوعب مرة أخرى حساسية الظرفية ولا زالت منشغلة للتصويت داخل قبة البرلمان في وقت حشدت فيه سيوف الأعداء للموعد المرتقب. لقد أبان النزاع حول الصحراء مرة أخرى أن سرعة جلالة الملك في إرساء التغيير المنشود في إطار استباقي للمحتمل، لا زالت تصطدم بمظاهر الضعف وعدم الفعالية لدى المكلفين بتنزيل الاستراتيجية الكبرى التي يضعها جلالة الملك تفاديا للأسوأ بل وجسدت اليوم حقيقة مهمة مفادها أن عدم الاقتدار السياسي لاستكمال الاستراتيجية الملكية إنما يكون عقبة في وجه بناء اقتصاد اجتماعي يكافح أشكال الفقر والإقصاء ويرسخ التضامن والترابط، بل ويسيء إلى المصلحة العليا للوطن.
المصدر: رسالة الأمة نشر في رسالة الأمة

