مرة أخرى يتبين أن الحكومة لا تريد تحكيم القواعد والآليات الديمقراطية واعتماد المقاربة التشاركية، في التعامل مع المعارضة كشريك أصيل في مجال التشريع، باعتبارها ركنا أساسيا في العمل البرلماني والممارسة الديمقراطية، وتصر بدل ذلك على نهج سياسة الهيمنة والاستفراد بالرأي والقرار، وتغييب آلية التواصل والحوار الجاد والمسؤول، من أجل تحقيق قاعدة تفاهم مشتركة مع كافة الأطراف المعنية، بشأن كل الملفات ذات البعد الوطني والاستراتيجي والمستقبلي، والتي من أهمها ملف الانتخابات.
فالحكومة إلى حد الآن أثبتت أنها تسير عكس التيار، وتراهن على أجندات وحسابات لا تخدم في شيء المسار الديمقراطي للبلاد، بقدرما تتسبب في تعطيل دور المؤسسات والأحزاب، خاصة أحزاب المعارضة، وتشوش على عمل المؤسسة التشريعية. فالمعارضة لم تجد من خيار آخر أمام منطق الهيمنة والاستفراد الذي تنهجه الحكومة سوى أن تتخذ قرارا سياسيا شجاعا ومسؤولا دفاعا عن المؤسسات والقوانين التي تؤطرعملها ، وذلك بالانسحاب من اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية، احتجاجا على خرق المادة 128 من النظام الداخلي لمجلس النواب من قبل فرق الأغلبية، والتي تقضي باعتماد برمجة مناقشة مقترحات ومشاريع القوانين الواردة على مجلس النواب تبعا لترتيب وضعها بالمجلس. خرق أصرت عليه الأغلبية في خروج واضح عن مقتضيات الدستور وما ينص عليه النظام الداخلي لمجلس النواب، بعد أن كان فريقان من المعارضة قد سبق لهما أن وضعا لدى مجلس النواب بتاريخ 21 يوليوز 2014 مقترح قانون يرمي إلى إحداث ” وهيئة وطنية للإشراف على الانتخابات”، والذي تمت إحالته على لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بتاريخ 23 شتنبر 2014، كما تثبت محاضر اجتماعات مكتب مجلس النواب.أماالحكومة فلم تتقدم بمشروعهاحول”مراجعة اللوائح الانتخابية”إلا في يوم 1 أكتوبر 2014 ، وتمت إحالته على اللجنة بتاريخ 3 أكتوبر2014، مما يؤكد بجلاء أسبقية مقترح القانون الذي تقدمت به فرق من المعارضة بالنظر إلى تاريخ إيداعه على مشروع الحكومة. ورغم التنبيه الذي عبر عنه رؤساء فرق المعارضة ونوابها، فإن الحكومة وأغلبيتها، لم تعر الاهتمام اللازم لهذه القضية المسطرية، فكان لزاما على فرق المعارضة تمسكا بقرارات النظام الداخلي وحرصا على التنزيل السليم والديمقراطي لمقتضيات الدستور ودفاعا عن دولة المؤسسات، أن تتخذ قرارها الشجاع والحكيم، بعدم تزكية هذا الخرق الفاضح والانسحاب من اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة .قرار يؤكد حرصها التام على ضرورة احترام الدستور، وكل المقتضيات الدستورية الجديدة التي منحت المعارضة صلاحيات وحقوقا أساسية تعتبر واحدة من أبرز ملامح التطور الديمقراطي ببلادنا، حيث كان على الحكومة وأغلبيتها عدم المساس بها، انسجاما مع المسؤوليات السياسية والأخلاقية التي تتحملها تجاه المؤسسة التشريعية وخاصة المعارضة. لقد كان من الطبيعي والمنطقي أن تلجأ المعارضة إلى هذا القرار، في تعبير واضح عن رفضها لأي إخلال بالنظام الداخلي لمجلس النواب أو قفز على نصوصه وبنوده، وتعرب عن أسفها البالغ والعميق لوقوع هذا الخرق الذي من شأنه تعطيل الآليات الديمقراطية التي تحكم توقيت وعرض مشاريع ومقترحات القوانين من قبل الحكومة والمعارضة داخل اللجان البرلمانية. إن الحكومة وأغلبيتها تصران حتى الآن على معاكسة المعارضة فيما يتعلق بعدد من مشاريع القوانين، كمشروع اللوائح الانتخابية، وذلك بمناقشته رغم اقتصاره على تحيين اللوائح الانتخابية وليس تجديدها تجديدا كليا كما تطالب بذلك المعارضة، وهوما كانت تطالب به فرق من الأغلبية قبل أن تنقلب على مواقفها، حيث إن إصرار الحكومة على تحيين اللوائح الانتخابية التي هي موضع انتقاد وطني منذ سنوات، يجعل فرق المعارضة تعبر عن مخاوف مشروعة ومنطقية على نزاهة الانتخابات المقبلة، ما لم يتم تحصينها عبر لوائح انتخابية جديدة تحقق توافقا وطنيا شاملا، وهو ما كان يمكن التوصل إليه لو توفرت الإرادة السياسية اللازمة في إطار مشاورات سياسية جادة. فالتوجه الحكومة الحالي لا يعبر إلا عن الرغبة في الهيمنة والاستفراد بأي قرار أو إجراء أو ملف، مستبعدة أي مقاربة تشاورية أو تشاركية، كما هو الشأن بالنسبة للإعداد للمسلسل الانتخابي، حيث لا زالت تعتبر النقاش السياسي مع الأحزاب السياسية مجرد نقاش شكلي، لا تترتب عنه التزامات حكومية وهو ما يخل بالمقاربة التشاركية والإشراف السياسي على الانتخابات، خاصة وأن الأمر يتعلق بالقوانين التنظيمية المنظمة لها، وكذا سعي الحكومة إلى تسييد الرأي الوحيد والتوظيف الآلي لأغلبيتها واستعمال لغة الترهيب يعدان مسا خطيرا باختصاصات السلطة التشريعية، ويجعلها مجرد ملحقة للتسجيل تابعة للحكومة.
المصدر: رسالة الأمة نشر في رسالة الأمة

