تجتهد المؤسسات والإدارات بمختلف القطاعات لتحفيز مستخدميها وموظفيها ماديا ومعنويا، وتعمل على إطلاق جملة من المبادرات وبرمجة أشكال متعددة لخلق جوّ من التباري على مستوى العطاء والمردودية، يؤدي إلى تنافسية إيجابية شريفة فيما بين العاملين، رفعا لمردوديتهم وتطويرا لعطاءاتهم، وهي الخطوات المعتمدة في العديد من الدول المتقدمة، وتحضر كذلك حتى في بلدنا، لكن على مستوى بعض المقاولات الخاصة، المعدودة على رؤوس الأصابع، التي تؤمن بأهمية ودور العنصر البشري في الرفع من مستوى وحضور المقاولة. مبادرات هي غير قابلة للاحتذاء بعدد من الإدارات والقطاعات المغربية، خاصة العمومية منها، بل وعلى النقيض تماما تُشهر ورقة العقاب في حقّ عدد من المجتهدين لكبح الإرادة في أنفسهم، وإقفال باب الجد والاجتهاد في وجوههم، ولردع غيرهم، على اعتبار أن الاجتهاد في حالتنا هاته هو مصدر إزعاج، وبالتالي يتم اتخاذ جملة من القرارات الإدارية الزجرية لوقف أي مدّ تصاعدي له، وذلك بوضع قوالب قانونية له تجيز العقاب؟
وضع أضحت مصالح وزارة الصحة عنوانا له، ويكفي أن نقف عند مثالين اثنين، الأول يتعلق بالممرضة «سماح سعودي» التي نفذت تعليمات إدارية وعملت على تقديم المؤازرة والمساعدة لسيدة حامل، فكان جزاؤها المتابعة القضائية، وكان من الممكن أن تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، لولا أن الحكم جاء منصفا وأخلى مسؤولية الممرضة من كل تقصير. صفحة لم تُطو حتى استفاق الجميع على فضيحة جديدة، تتمثل في إقدام وزير الصحة على اتخاذ قرار توقيف احتياطي في حق ممرضة، مجازة من الدولة من الدرجة الثانية، بالمركز الصحي القروي رقم 1 أيت يوسف وعلي بالحسيمة، ويتعلّق الأمر ب «الزهرة . ف»، وذلك على خلفية خطوتها المتمثلة في عدم تلقيح أطفال المنطقة بلقاحات فاسدة، وعدم تسليم مرضى السكري لحقن الأنسولين، بعد وقوفها على العطب الذي طال ثلاجة المركز الصحي، حيث يتم تخزين هذه اللقاحات، والتي يتعين أن يتم حفظها تحت درجة حرارة معينة، وهو ما انتفى، إذ بلغت الدرجة التي تشير إليها الثلاجة إلى أكثر من 18 ، والحال أنه لا يجب أن تتجاوز8 !
الممرضة التي كان من الواجب التنويه والإشادة بها، ليقظتها وحرصها على صحة المواطنين، رضعا، صغارا وكبارا، سبق وأن راسلت المندوبية لمرتين متتاليتين بشأن الموضوع، وعندما زارتها إحدى اللجان «المختصة» طُلب منها بشكل شفاهي مواصلة تقديم الحقن وتلقيح المعنيين، من رضع وأطفال، وهو ما لم تتقبّله وهي ترى وضعا خطيرا أمامها ينذر بعواقب شتى، فطالبت بقرار كتابي في هذا الصدد لم يتم منحه إياهاّ، وعوض التدخل لإتلاف المخزون واستقدام آخر مع توفير المعدات الكفيلة بحفظه، تم اتخاذ قرار إيقاف الممرضة بمبرر «إفشاء السر المهني» لكونها عملت على إشعار الجماعة بالواقعة وذلك حتى يكون المواطنون على علم بالموضوع؟
صورة تؤكد المنطق الزجري المتحكم في العقلية الإدارية بعدد من القطاعات، وعلى رأسها قطاع الصحة، وإن كانت هذه العقلية تستعمل المرونة وتتخلى عن تحجّرها في حالات بعينها، عندما يتعلّق الأمر ببعض «النافذين» مهما آلم الإدارة المركزية موقفهم أو فضحهم لواقع ما، كما هو الحال بالنسبة لمشكل مادة «الهالوتان»، لكنها سرعان ما تتصلب حين يتعلق الأمر ب «صغار» المهنيين الذين تعمل من خلالهم على إرسال الرسائل لمن هم على شاكلتهم، حتى لا يتجرأ احدهم في وقت لاحق وينتقد وضعا غير صحّي بهذه المؤسسة الاستشفائية أو هذا المركز، وذلك ضمانا لطاعة عمياء لاتجر الوزير للحساب، المفترض أن يكون موضع مساءلة بشان قضية مماثلة تحت قبّة البرلمان!
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

