« المغاربة يجب أن يعلموا أن أصواتهم أكثر قيمة من 200 درهم، والمهم أنهم يدركون بأن لها قيمة وهذا تحول مهم « هذه العبارات هي لأستاذنا المرحوم البردوزي في محاضراته لنا في السنة الرابعة علم السياسة بكلية الحقوق أكدال بالرباط، وهي توصيف دقيق على تطور السلوك الإنتخابي في المغرب، فقد إنتقل من مرحلة التزوير الفاضح من طرف الإدارة إلى التدبير المفوض للتزوير من خلال إطلاق يد المال حلاله وحرامه لإفساد العمليات الإنتخابية المتتالية وهو الواقع الذي جعلنا ننحت عبارة الحياد السلبي لتوصيف سلوك السلطة، والواقع يشهد بأنه على قدر تطور القوانين وإجراءات النزاهة مثل الصناديق الشفافة والورقة الوحيدة وتوسيع الدوائر ونظام الإقتراع اللائحي..، تطورت عمليات التلاعب في نزاهة الإنتخابات في إطار التدبير المفوض للتلاعب بالنزاهة، وساهمت كل الفئات في عمليات تشويه الإقتراع بداية من رجال السلطة والمرشحين ووصولا إلى المواطنين العاديين وكبار السماسرة أو ما يعرف ب « الشناقة « والتي أصبحت من المهن الموسمية ذات الشهرة السيئة.
قبل أيام سألني أحد الأصدقاء ممن لا علاقة لهم بالعمل السياسي، هل ستنتهي ظاهرة شراء الأصوات في الإنتخابات القادمة؟ أجبته بأنني أنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، فأنا يئست من مواجهة ظاهرة شراء الأصوات، فدوافع البعض للإفساد تكون أكبر من دوافعنا للإصلاح، لهذا فأنا أريد أن أنظر إلى الموضوع من زاوية بيع الأصوات وليس شرائها، فبالنسبة لي الأهم هو كيف يمكن أن نجعل المغربي والمغربية اللذين يبيعان صوتهما في الإنتخابات ب 200 درهم، يؤمنون بأن صوتهم في الإنتخابات أهم من ذلك المبلغ وأنه يعني إصلاح المغرب والشغل للجميع والتنمية الشاملة، فهل نحن قادرون على ركوب هذا التحدي سألت الصديق؟ وأضفت بأن هذا الأمر ليس مقتصرا على السياسيين والأحزاب، بل هو عمل وطني يجب على الجميع أن يتحمل فيه المسؤولية بغض النظر عن الموقع الإجتماعي أو المهني أو الحزبي..ونحن كمغاربة يجب أن نتوقف عن النظر إلى مسألة النزاهة نظرة قدرية، أي أن الفساد الإنتخابي هو قدر إلاهي لاراد له، بل يجب الإيمان بأن مسألة النزاهة هي مسألة إرادة مجتمع، وأنه ما لم تكن هذه الإرادة فإنه يجب إنتظار إستمرار بعض مظاهر الإفساد. علاقة المال بالإنتخابات والديمقراطية، هي علاقة ضاربة في التاريخ، فقد كان الإقتراع في العديد من البلدان مقتصرا على دافعي الضرائب، وهو ما جعل الضريبة إحدى العلاقات المؤثرة في مبدأ المواطنة لسنوات، وقد كانت البرجوازية تجد في هذا الإجراء وسيلتها لإحتكار السلطة بطرق ديمقراطية، ومع تطور الحقوق السياسية والمدنية، أفردت المواثيق الدولية لحق الإنتخاب والتصويت مكانة خاصة وجعلتها ضمن مشمولات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، لكن بقية كل هذه الحقوق عبارة عن إمكانيات قانونية تتبخر بفضل حرارة ضعف الإمكانيات والموارد المالية، بحيث أصبح هذا الحق مقتصرا على الأغنياء ولمن يستطيعون تعبئة الموارد المالية اللازمة للمشاركة في الإنتخابات، ويعتبر النظام الإنتخابي الأمريكي من أكثر الأنظمة الإنتخابية إعتمادا على الدعاية السياسية والإستعمال المفرط للأموال في الحملات الإنتخابية، ويمنح القانون الأمريكي الحق للمرشحين في تنظيم حملات لجمع التبرعات المالية، حيث يعتبر مقياس عدد الأموال المجموعة حاسما في حظوظ النجاح سواء في الإنتخابات الحزبية الداخلية لإفراز المرشحين أو في الإنتخابات العامة، لكن هذه الأموال تجمع في إطار الشفافية والنزاهة بشكل لا يجعل العمليات الإنتخابية مجالا لغسل الأموال القذرة أو تنظيف أموال التهرب الضريبي، وهنا يتضح بأن للمال دور حاسم في بناء الديمقراطية المبنية على الإنتخابات. قمة دوفيل التي عقدت بفرنسا من طرف الثمانية الكبار زائد روسيا لدعم التغيرات التي عرفتها كل من مصر وتونس ، جاءت إيمانا بأنه بدون دعم مالي وإقتصادي فإن الديمقراطية لن تتحقق في هذه البلدان، فالكثير من الثورات إنقلبت على عقبها وأكلت شعاراتها وفتكت بمعارضيها وهم في الغالب من حمل قادتها على الأكتاف، دول قمة دوفيل عادت للإجتماع يوم الجمعة الماضي وقررت تخصيص 38 مليار دولار لدعم الإصلاح والديمقراطية في تونس ومصر والمغرب والأردن، نعم المغرب فكبار العالم ينظرون إلى ما تحقق في المغرب خلال الفترة الأخيرة يساوي ما تحقق في تونس ومصر دون فوضى ودون إراقة دماء، وهي رسالة للجميع هنا، فمن جهة هي رسالة لمن يضعون النظارات السوداء ويعولون على الخارج لدعمهم، تقول بأن المغرب يتغير فعلا وبالتالي ما عليهم سوى الإنخراط في مسلسل الإصلاح ودعمه، وهي رسالة أيضا للطرف الآخر الذي يريد أن يوظف بوادر الإصلاح للقضاء على جوهر الإصلاح مفادها أن العالم يراقب حركاتنا وسكناتنا، وهو اليوم كما يدعم الإصلاح فإنه قادر على معاقبة المتلاعبين به.
المصدر: عادل بنحمزة نشر في أسيف

