نريد أن نوضح في هذه الحلقة الأخيرة من عملنا أن مبدأ المراجعات الكبرى يتأسس انطلاقا من آليات إجرائية في النظر. وقد وضعنا ونحن نفكر في كيفيات العمل به في الطور الانتقالي، آلتين اثنتين نعتقد بتاريخيتهما وقدرتهما على تحقيق الهدف، من المراجعات الكبرى المطلوبة في ثقافتنا ومجتمعنا.
يتيح لنا الاستقطاب السياسي القائم، في الطور العربي بين تيارات الإسلام السياسي والتيارات السياسية الحداثية، التقدم في معالجة الإشكالات المرتبطة به، الأمر الذي نعتبر أنه يندرج في إطار بناء حداثة مطابقة لأسئلة تاريخنا، وتحديات طورنا الانتقالي. وضمن هذا الأفق، وفي انسجام مع مقتضيات مبدأ المراجعات الكبرى، نشير إلى ضرورة وضع كل القضايا الخلافية موضع تفكير جماعي، عقلاني وتاريخي، وبدون مواربة ولا مخاتلة. فلا ينبغي التلاعب بالدين في مجال السياسة، ولم يعد هناك أحد ينكر اليوم أهمية الدين في حياة البشر. وقد اقتنع الجميع أن معارك الأنوار لم تغيب الحس الديني والحساسية الدينية من المجتمعات الإنسانية، ومعناه أن وظيفة الدين داخل النسيج المجتمعي لا يجادل فيها أحد.
إن الأمر موضوع الجدل هو توظيف الدين في حقل الصراع السياسي، أي استدعاء الشواهد الدينية عند رسم الخطط السياسية، هذا الاستدعاء تترتب عنه نتائج تعيدنا إلى عتبة معرفية نظرية متجاوزة، بفعل ثورات معرفية وسياسية ودينية لا مفر من التعلم من دروسها، لنتمكن من الحديث بلغة ومنطق العصر، ونبني الرؤى والمواقف السياسية المناسبة لطموحاتنا في التاريخ.
بناء على ما سبق، ينبغي استحضار الذاكرة العربية الإسلامية، كما ينبغي استدعاء دروس التاريخ وتجارب الإنسانية.. إن موضوع السياسة والدين لا يعد شأنا عربيا، إنه شان إنساني بامتياز، ولا يمكن التفكير فيه خارج معطيات تجارب التاريخ.
وضحنا سابقاً أن القضايا المرتبطة بالمعارك الثانية، تحتاج إلى تفعيل مبدأ المراجعات الكبرى في الطور الراهن من تاريخنا، ذلك أن المنازلات الفكرية القادمة في مجتمعنا، والمترتبة عن المنعطف التاريخي الجديد، تقتضي في نظرنا التسلح بالآليات الآتية:
أ – تجاوز الخطاب المخاتل والمهادن للتيارات السياسية التي تستنجد بلغة الإطلاق عند نظرها في الشأن السياسي والتاريخي، ويترتب عن هذا التجاوز في تصورنا التخلي عن المنزع التوفيقي، الذي ساهمت في تأسيسه الخيارات ذات المنحى السلفي، والمواقف المهادنة لها بمبرر مراعاة متطلبات التدرج التاريخي والمرحلية في عمليات التغيير.. ورغم أهمية المواقف التي يبنيها المفكرون الذين ينزعون هذا المنزع، فإننا نتصور أن وظيفة الفكر لا تتمثل في قدراته على التبرير والتكريس، قدر ما تتمثل في جرأته وإقدامه في مجال بلورة الحدوس والتصورات القادرة على استباق ومغالبة ضغوط الواقع، حيث تساهم المواقف المعبرة عن روح تطلعات المجتمعات في تعزيز ممكنات التغير والتحول في التاريخ..
نحن نميز هنا بين التوافق والتوفيق، ذلك أن آلية التوفيق غالبا ما تلتزم الوسطية والتوسط، أما التوافق فإنه يتأسس بالتفاعل المستند إلى تبادل الرأي بهدف الاقتناع بوجهة محددة في النظر، الأمر الذي يستوعب خلخلة الاقتناعات وتحريكها دون حساب الوسط الرياضي بل بمراجعة المواقف وتطويرها من طرف مجموع المواقع الراغبة في تحقيق التوافق. ونحن نفترض أن الأطوار الانتقالية في التاريخ من قبيل ما تعرفه مجتمعاتنا اليوم، تستدعي التوافق المؤسس على الحوار المستوعب لمقتضيات الظرفية التاريخية المواكبة له، مقتضيات الخيار الثوري الذي عبرت عنه شعارات الانفجار التي انطلقت سنة2011.
ب – تجاوز المعالجات التجزيئية في النظر إلى الحداثة السياسية، فقد ظل الفكر السياسي العربي يُعنى بأسئلة لا يمكن فصلها عن مشروع الحداثة السياسية في شموليتها وفي قواعدها الأساس، إلا أن إغفاله لمطلب استيعاب الحداثة السياسية في كليتها، وبناءً على مقدمات الرؤية الفلسفية المؤسسة لها، حوَّل القضايا الجزئية إلى قضايا معزولة عن منظومتها الفكرية الجامعة، الأمر الذي أدى إلى جملة من المواقف المعزولة، أو جملة من المعطيات المفتقرة إلى الأصول النظرية المساعدة على إمكانية ترسيخها، وإمكانية بناء خطاب حداثي متماسك في موضوعاتها..
لا تنفصل إذن في نظرنا معارك المجال الثقافي والديني والسياسي في مجتمعنا، عن مشروع ترسيخ الحداثة السياسية في فكرنا. وفي هذا السياق، نحن نعتبر أن صعود تيارات الإسلام السياسي، وما تلاها من بدايات تبلور دعاوى تيارات التكفير في ثقافتنا ومجتمعنا، يمكِّننا أكثر من أي وقت مضى من بناء النظر النقدي القادر على كشف فقر ومحدودية وغربة التصورات الموصولة بهذه التيارات، وهو الأمر الذي يتيح لنا بناء الفكر المبدع والمساهم في إنشاء مواقف وتصورات مطابقة لتطلعاتنا في النهضة والتقدم..
على سبيل الختم
واجهنا في هذا العمل، سواء في لحظات التفكير في عمليات بنائه، أو أثناء الانخراط في تركيب محاوره ومعطياته، واجهنا مجموعة كبيرة من المشاكل. وقد حاولنا مغالبتها عن طريق برنامج في البحث، انطلقنا فيه من خيار معين، سمح لنا بركوب مغامرة الإنجاز.
ركَّبنا الورقة في محورين اثنين، استوعبا جملة من قضايا الطور الانتقالي العربي، حيث وقفنا فيها على الخطابات والاستقطابات السياسية
الجديدة
، كما تناولنا جوانب من المآزق التي حصلت في مختلف القضايا المبحوثة في المحورين. وكنا نعطي الأولوية في المحورين معا للمقاربة الثقافية.
استخدمنا في عملية تركيب الورقة مجموعة من المقدمات، ثم بلورنا أثناء عمليات التحرير ثلاثة توصيفات مركزية شكلت العناصر اللاحمة لمحوري البحث. كما توقفنا أمام مجموعة من الخلاصات في بحثٍ نعي جيداً، أنه يستوعب مُمكنات في النظر لا حدود لها.
بنينا البحث اعتماداً على مفردات ثلاث، الارتباك، المفارقة، المراجعات الكبرى. فقد كانت مفردة الارتباك، تقدم لنا الصفة الأكثر تعبيرا عن المآزق التي يعرفها الطور الانتقالي العربي، طور ما بعد انفجارات 2011. وقد شخصناها في بعدها التاريخي العام، وذلك بحديثنا عن التحديث المعاق والتقليد المعاق، وهي المعادلة التي تشخص واقع الأحوال العربية، في السياسة والفكر طيلة القرن الماضي إلى يومنا هذا.
أما المفردة الثانية، التي كشفت أمامنا بصورة مُكبَّرة، جوانب من التوتر في الطور الانتقالي في كل من
تونس
ومصر، فهي مفردة المفارقة بصيغة الجمع، حيث تبدو شبكة الأوضاع في البلدان المذكورة، بصورة تكشف عن أشكال من الخلل الصانع لكثير من المفارقات في الخطاب وفي الفعل السياسيين. فاللحظة بامتياز لحظة مفارقات، وهي لحظة يرفع فيها الاتساق، وتملؤها التناقضات والمسافات، وأشكال من الاختلال الذي يتعاظم، يتراجع، يتفاعل، فينتج مفارقات أخرى. ولا نستطيع إيجاد تفسير مناسب لما يحصل وعوداته المتكررة إلا في معادلة التحديث المعاق والتقليد المهيمن، فهي تساعد على موضعته تاريخيا، قصد التفكير في كيفيات تجاوزه.
وبين الارتباك الذي يمكن النظر إليه كفعل ملازم للطور الانتقالي العربي، والمفارقات كصورة تحمل انعكاسات الارتباك في المدركات والتصورات، وضعنا أنفسنا قصداً واختياراً في قلب الحدث، وأبرزنا أهمية احتضانه، احتضان الانفجارات وشعاراتها، واحتضان الأمل في بناء شرعية سياسية جديدة، تجعلنا نخطو خطوة كبرى في باب ترتيبنا للمشروع الديمقراطي العربي، وذلك بكسر السقف الذي يواصل هيمنته على حاضرنا. وقد تبينا في غمرة تفكيرنا في الموقف المنفعل من هذا الذي يجري أمامنا، أقول فكرنا في الدور الذي يمكن أن يقوم به، الإسناد الثقافي المطلوب لمشروع التحديث العربي.
ضمن هذا الأفق، ركَّبنا مبدأ المراجعات الكبرى ليشكل المبدأ القادر على مجابهة المنازلات الكبرى، التي وُلِدت بعضها الثورات التي اشتعلت، والمنازلات الأخرى التي عادت إلى الواجهة. فأصبحنا في الطور الانتقالي، أمام طريق ينفتح على إمكانية تجاوز المرتبك، ورفع المفارق، وتركيب ما يسمح ببلورة ما يتيح لنا إنجاز تأصيل ثقافي مبدع، للتحديث العربي والديمقراطية العربية. ولن يتم ذلك في نظرنا إلا بتفعيل مبدأ المراجعات الكبرى.
لا نريد بناء على ما سبق، أن تذهب انفجارات 2011 سدى، بل نريدها أن تشكل قفزة نوعية، في باب التخلص من مجتمعات التحديث المعاق والتقليد المعاق. وفي هذا الإطار، نرى في السلبيات التي نعت بها الطور الانتقالي العربي، كما نرى في المآزق التي حصلت كثيرا من الأوجه الإيجابية. فقد كشف الجدل الدستوري المواكب لعملية تحيين الدساتير العربية، أن مجتمعاتنا لا تشكل أي استثناء تاريخي، في موضوع الدين والدولة. وعندما نجد على سبيل المثال، في بعض فصول دساتيرنا
الجديدة
، بنوداً تشير إلى حرية المعتقد، فإننا نجد قبل ذلك، في مجتمعنا فتاوى التكفير، الأمر الذي يساعدنا في إنجاز ما يهيء مجتمعاتنا، لتركيب خطوات في باب مزيد من التملك التاريخي لحداثة يتطلع إليها الجميع.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

