لعل نشوء الحركة القومية في الوطن العربي ، نشوء الشعور القومي بين أفراد الأمة العربية ، يعطي أوضح مثل عن الخطأ الذي ترتكبه الشيوعية بتصويرها النضال القومي لتحرير الأمة وتوحيدها في دولة قومية على أنه مجرد عملية تقوم بها البرجوازية ( عن وعي أحياناً وعن غير وعي أحياناً أخرى ) لتحرير وتوحيد السوق الاقتصادية الوطنية ضماناً لزيادة أرباحها ! إن القضية القومية في بلادنا ، قضية تحرير الوطن العربي وتوحيده في دولة قومية ، لم تطرح أبداً بهذا الشكل التجاري . فمن العبث أن نجد تفسيراً ينسجم وهذا التفسير للشيوعية حول نشوء الشعور القومي والحركة القومية إذا درسنا الظروف والأوضاع التي نشأت فيها الحركة القومية في الوطن العربي .
فنحن إذا درسنا الوضع الاقتصادي للوطن العربي في الفترة المبكرة التي بدأت تتبلور فيها حركة النضال القومي ضد الاستعمار ، نجد أنه لم يكن في الوطن العربي آنذاك أي طبقة في المجتمع يمكن أن نطلق عليها لفظة برجوازية نامية بالمعنى الاقتصادي لهذه الكلمة . فالبرجوازية الصناعية لم تكن موجودة لسبب بسيط هو أنه لم يكن ثمة صناعة في الوطن العربي ، ولم تكن الآلة حتى بأبسط أشكالها قد دخلت الوطن بعد وكانت الصناعات اليدوية الصغيرة والصناعات الشعبية المحلية هي الشكل الوحيد للصناعة الموجودة . وإذ أخذنا الصورة الإجمالية للوطن نجد أن المجتمع العربي كان في طابعه الغالب مجتمعاً شبه إقطاعي .ومع ذلك فقد ابتدأ النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر واستمر بعد ذلك في المغرب كله . وكذلك جوبه الاستعمار الإنكليزي بانتفاضات متكررة في جنوب جزيرة العرب منذ ذلك التاريخ ، كما ابتدأت الصيحات الداعية للتحرر من الاستعمار العثماني وتوحيد العرب تظهر على يد العديد من الكتاب والشعراء منذ أواسط القرن التاسع عشر. وإذا سرنا مع الزمن نجد أن الحركة القومية العربية استمرت تتطور وتشتد وتتضح مفاهيمها القومية نسبياً أكثر فأكثر قاضية على دعوات اللامركزية والاستقلال الذاتي نهائياً. كانت الجمعيات التي تشكلت في الربع الأول من هذا القرن كما كانت الاتجاهات المخلصة في الثورة العربية الكبرى ، واضحة تمام الوضوح في تحديد أهدافها بالاستقلال التام والوحدة العربية . هذا مع أننا نجد الظروف الاقتصادية في الوطن العربي لم يكن قد طرأ عليها تعديل يذكر ، فحتى ذلك التاريخ لم يكن هناك شيء اسمه برجوازية صناعية . فهل البرجوازية المصلحية الاقتصادية هي التي قادت النضال ضد الاستعمار ونشرت الدعوة للوحدة العربية لإقامة السوق الاقتصادية؟ وكيف كان يمكن أن يحدث ذلك مادامت الصناعة بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة لم تكن في الوطن العربي بعد ولم تشكل برجوازية عربية صناعية بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة ؟ ولا يعدل هذا الاتجاه في الغرابة إلا قولنا إن البرجوازية التجارية هي التي لعبت الدور الأول في هذا الميدان ( عن وعي أو عن غير وعي !) ولسنا بحاجة إلى الكثير من الشرح لكي يظهر مبلغ الغرابة التي تكمن في قولنا إن التجار (( البرجوازيين )) هم الذين خاضوا و قادوا النضال الوطني ضد الاستعمار ، وهم الذين شكلوا الحركة القومية العربية ، وهم الذين عملوا على نشر وتعميق دعوة الوحدة العربية !! لقد تبلور الشعور القومي العربي ونشأت الحركة القومية ضد الاستعمار العثماني التركي على أساس قومي بحت وفي إطار قومي بحت . تشكلت على أساس النضال من أجل الحرية والوحدة ضد السيطرة بكافة أشكالها ، ومن أجل استقلال الأمة وحريتها في تقرير مصيرها والتصرف بمقدراتها ضد حركات التتريك والدمج التي قام بها الاستعمار التركي لمحو الشخصية القومية للعرب . ضد محاولات إذابة اللغة العربية ومن أجل حمايتها والمحافظة عليها . ضد الإذلال القومي والاضطهاد الوطني . ضد الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية الجائرة التي فرضها الاستعمار التركي … ضد كل هذه المظاهر مجتمعة. لذلك توجهت الحركة القومية في الوطن ضد الاستعمار الغربي الإنكليزي والفرنسي ، وضد الاستعمار الغربي عامة اليوم ، على أساس قومي بحت وفي إطار قومي بحت وتشكلت بناء على نفس بواعث النضال ضد الاستعمار التركي العثماني . لقد كان نشوء الحركة القومية في الغرب مواكباً زمنياً لظهور البرجوازية المتقدمة، أما في الوطن العربي فلقد سبق تبلور الشعور القومي ونشوء الحركة القومية ظهور طبقة برجوازية ذات مصالح اقتصادية واضحة محددة وذات وزن وثبات بزمن طويل . فلا يمكن أبداً تفسير هذه الظاهرة بأسباب اقتصادية بحتة إلا بمقدار ما تلعب الأوضاع الاقتصادية الشاذة دوراً في إثارة الأمة على واقعها كجزء من صورة الواقع القومي الشاذ الشامل ، ولا يمكن أبداً إرجاعها إلى عمل فريق من أصحاب المصالح الطبيقية الاقتصادية إلا بمقدار ما يشترك بعض أصحاب المصالح في النضال الوطني . ولكن حتى هؤلاء لايمكن في بلادنا أن نعمم عليهم حكماً واحداً متجانساً . فبعضهم قد ساهم في النضال الوطني ضد الاستعمار وفي سبيل الوحدة بعد أن قام بعملية حسابية ليجرد ما يكسب وما يخسر من مثل هذه المساهمة ، وبعضهم قد اشترك متأثراً فعلاً بالباعث الوطني عن صدق . فلا يمكن وضع قاعدة عامة بهذا الصدد في بلادنا وفي الظروف التي رافقت نشوء الحركة القومية العربية .هذه الحقيقة تتضح بجلاء أكبر حين ننقل حديثنا إلى النضال ضد الأخطاء وضد التجزئة في الوطن .فإن كان من رافق تطور حركة القومية العربية في الوطن يدرك بوضوح أن البرجوازية الناشئة كانت في السنوات الأخيرة قوة أميل للوقوف إلى جانب الإقطاع منها إلى أن تكون القوى الرئيسية في مكافحته والقضاء عليه! لنستعرض في أذهاننا مواقع القوى الاجتماعية في مصر وسورية والعراق مثلاً : إن العلاقة في هذه الأجزاء بين البرجوازية التجارية والصناعية الناشئة والإقطاع كانت علاقة تآلف أكثر منها علاقة صراع عنيف . فإن كان القول بأن البرجوازية هي القوة الرئيسية التي ساهمت في هدم الإقطاع في المجتمعات الأوروبية فهل يصح أن تجعل ذلك بمثابة قاعدة نتنبأ على أساسها أن البرجوازية هي التي قامت وستقوم بنفس الدور في وطننا ؟ بل إذا سرنا أبعد من ذلك فإننا نجد أنه حيثما كانت الحركة القومية في وطننا تقوم على أساس اشتراكي ، كان التآلف بين البرجوازي الناشئة والإقطاع السياسي يبرز بوضوح أكبر. وكل من رافق كذلك حركة القومية العربية في كفاحها ضد التجزئة من أجل الوحدة يدرك أيضاً بوضوح أن البرجوازية الناشئة كانت هنا أيضاً أميل لأن تكون قوة في وجه الوحدة منها إلى القوة الرئيسية الأولى في الدعوة للوحدة جدياً والعمل على تحقيقها جدياً . وكلنا يعلم أن قضية الوحدة قد اتخذت مجالاً للتجارة بعواطف الشعب وأن معظم الساسة العرب قد اتخذوا من التغني بها مادة لامتصاص وعي الشعب المتزايد وأسلوباً لتخدير الدعوة للوحدة ، وأنهم لم يتخذوا أية خطوة جدية فعلا ، جدية حقاً لتحقيقها . لنأخذ مصر قبل الثورة مثلاً في حديثنا هنا فإنها تعطي أوضح صورة عن الظروف التي تطورت فيها دعوة الوحدة ، المفروض طبعاً ، وفقاً لمنطق الشيوعية أن تكون الحركة القومية العربية ، أن يكون الشعور القومي العربي وحركة الدعوة للوحدة القومية ، أقوى ما تكون في مصر حيث أنها أكبر الأجزاء العربية وأكثرها تطوراً من الناحية الاقتصادية ، والبرجوازية فيها أكثر تقدماً منها في أي جزء عربي آخر ومع ذلك نجد كما هو واضح للجميع أن مركز جيشان الشعور القومي العربي ، والدعوة للوحدة العربية لم يكن أبداً في مصر قبل الثورة ، وأنه لم تقم في مصر قبل الثورة أية حركة فكرية أو سياسية واسعة الانتشار تتبنى الوحدة العربية وتوجه الحركة القومية العربية كما قامت في أجزاء أخرى . هذه الشواهد تدل كلها دلالة قاطعة أن العنصر الحاسم ، أن العامل الرئيسي في النضال ضد الاستعمار في سبيل الحرية ،وضد التجزئة في سبيل الوحدة القومية ، كان هو الوعي . فبناء على هذا العامل بالدرجة الأولى نستطيع أن نفسر تطور حركة القومية العربية ، واشتداد الشعور القومي ، وتعمق دعوة الوحدة العربية ، أكثر مما نفسر ذلك بعمل البرجوازية لتأمين مصالحها !وهذه الحقيقة الأولى تتضح بجلاء أكبر في الدلائل التي تؤكدها الحقيقة الثانية لتطور حركة القومية العربية في الوطن . لعل نشوء الحركة القومية في الوطن العربي ، نشوء الشعور القومي بين أفراد الأمة العربية ، يعطي أوضح مثل عن الخطأ الذي ترتكبه الشيوعية بتصويرها النضال القومي لتحرير الأمة وتوحيدها في دولة قومية على أنه مجرد عملية تقوم بها البرجوازية ( عن وعي أحياناً وعن غير وعي أحياناً أخرى ) لتحرير وتوحيد السوق الاقتصادية الوطنية ضماناً لزيادة أرباحها ! إن القضية القومية في بلادنا ، قضية تحرير الوطن العربي وتوحيده في دولة قومية ، لم تطرح أبداً بهذا الشكل التجاري . فمن العبث أن نجد تفسيراً ينسجم وهذا التفسير للشيوعية حول نشوء الشعور القومي والحركة القومية إذا درسنا الظروف والأوضاع التي نشأت فيها الحركة القومية في الوطن العربي . فنحن إذا درسنا الوضع الاقتصادي للوطن العربي في الفترة المبكرة التي بدأت تتبلور فيها حركة النضال القومي ضد الاستعمار ، نجد أنه لم يكن في الوطن العربي آنذاك أي طبقة في المجتمع يمكن أن نطلق عليها لفظة برجوازية نامية بالمعنى الاقتصادي لهذه الكلمة . فالبرجوازية الصناعية لم تكن موجودة لسبب بسيط هو أنه لم يكن ثمة صناعة في الوطن العربي ، ولم تكن الآلة حتى بأبسط أشكالها قد دخلت الوطن بعد وكانت الصناعات اليدوية الصغيرة والصناعات الشعبية المحلية هي الشكل الوحيد للصناعة الموجودة . وإذ أخذنا الصورة الإجمالية للوطن نجد أن المجتمع العربي كان في طابعه الغالب مجتمعاً شبه إقطاعي .ومع ذلك فقد ابتدأ النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر واستمر بعد ذلك في المغرب كله . وكذلك جوبه الاستعمار الإنكليزي بانتفاضات متكررة في جنوب جزيرة العرب منذ ذلك التاريخ ، كما ابتدأت الصيحات الداعية للتحرر من الاستعمار العثماني وتوحيد العرب تظهر على يد العديد من الكتاب والشعراء منذ أواسط القرن التاسع عشر. وإذا سرنا مع الزمن نجد أن الحركة القومية العربية استمرت تتطور وتشتد وتتضح مفاهيمها القومية نسبياً أكثر فأكثر قاضية على دعوات اللامركزية والاستقلال الذاتي نهائياً. كانت الجمعيات التي تشكلت في الربع الأول من هذا القرن كما كانت الاتجاهات المخلصة في الثورة العربية الكبرى ، واضحة تمام الوضوح في تحديد أهدافها بالاستقلال التام والوحدة العربية . هذا مع أننا نجد الظروف الاقتصادية في الوطن العربي لم يكن قد طرأ عليها تعديل يذكر ، فحتى ذلك التاريخ لم يكن هناك شيء اسمه برجوازية صناعية . فهل البرجوازية المصلحية الاقتصادية هي التي قادت النضال ضد الاستعمار ونشرت الدعوة للوحدة العربية لإقامة السوق الاقتصادية؟ وكيف كان يمكن أن يحدث ذلك مادامت الصناعة بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة لم تكن في الوطن العربي بعد ولم تشكل برجوازية عربية صناعية بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة ؟ ولا يعدل هذا الاتجاه في الغرابة إلا قولنا إن البرجوازية التجارية هي التي لعبت الدور الأول في هذا الميدان ( عن وعي أو عن غير وعي !) ولسنا بحاجة إلى الكثير من الشرح لكي يظهر مبلغ الغرابة التي تكمن في قولنا إن التجار (( البرجوازيين )) هم الذين خاضوا و قادوا النضال الوطني ضد الاستعمار ، وهم الذين شكلوا الحركة القومية العربية ، وهم الذين عملوا على نشر وتعميق دعوة الوحدة العربية !! لقد تبلور الشعور القومي العربي ونشأت الحركة القومية ضد الاستعمار العثماني التركي على أساس قومي بحت وفي إطار قومي بحت . تشكلت على أساس النضال من أجل الحرية والوحدة ضد السيطرة بكافة أشكالها ، ومن أجل استقلال الأمة وحريتها في تقرير مصيرها والتصرف بمقدراتها ضد حركات التتريك والدمج التي قام بها الاستعمار التركي لمحو الشخصية القومية للعرب . ضد محاولات إذابة اللغة العربية ومن أجل حمايتها والمحافظة عليها . ضد الإذلال القومي والاضطهاد الوطني . ضد الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية الجائرة التي فرضها الاستعمار التركي … ضد كل هذه المظاهر مجتمعة. لذلك توجهت الحركة القومية في الوطن ضد الاستعمار الغربي الإنكليزي والفرنسي ، وضد الاستعمار الغربي عامة اليوم ، على أساس قومي بحت وفي إطار قومي بحت وتشكلت بناء على نفس بواعث النضال ضد الاستعمار التركي العثماني . لقد كان نشوء الحركة القومية في الغرب مواكباً زمنياً لظهور البرجوازية المتقدمة، أما في الوطن العربي فلقد سبق تبلور الشعور القومي ونشوء الحركة القومية ظهور طبقة برجوازية ذات مصالح اقتصادية واضحة محددة وذات وزن وثبات بزمن طويل . فلا يمكن أبداً تفسير هذه الظاهرة بأسباب اقتصادية بحتة إلا بمقدار ما تلعب الأوضاع الاقتصادية الشاذة دوراً في إثارة الأمة على واقعها كجزء من صورة الواقع القومي الشاذ الشامل ، ولا يمكن أبداً إرجاعها إلى عمل فريق من أصحاب المصالح الطبيقية الاقتصادية إلا بمقدار ما يشترك بعض أصحاب المصالح في النضال الوطني . ولكن حتى هؤلاء لايمكن في بلادنا أن نعمم عليهم حكماً واحداً متجانساً . فبعضهم قد ساهم في النضال الوطني ضد الاستعمار وفي سبيل الوحدة بعد أن قام بعملية حسابية ليجرد ما يكسب وما يخسر من مثل هذه المساهمة ، وبعضهم قد اشترك متأثراً فعلاً بالباعث الوطني عن صدق . فلا يمكن وضع قاعدة عامة بهذا الصدد في بلادنا وفي الظروف التي رافقت نشوء الحركة القومية العربية .هذه الحقيقة تتضح بجلاء أكبر حين ننقل حديثنا إلى النضال ضد الأخطاء وضد التجزئة في الوطن .فإن كان من رافق تطور حركة القومية العربية في الوطن يدرك بوضوح أن البرجوازية الناشئة كانت في السنوات الأخيرة قوة أميل للوقوف إلى جانب الإقطاع منها إلى أن تكون القوى الرئيسية في مكافحته والقضاء عليه! لنستعرض في أذهاننا مواقع القوى الاجتماعية في مصر وسورية والعراق مثلاً : إن العلاقة في هذه الأجزاء بين البرجوازية التجارية والصناعية الناشئة والإقطاع كانت علاقة تآلف أكثر منها علاقة صراع عنيف . فإن كان القول بأن البرجوازية هي القوة الرئيسية التي ساهمت في هدم الإقطاع في المجتمعات الأوروبية فهل يصح أن تجعل ذلك بمثابة قاعدة نتنبأ على أساسها أن البرجوازية هي التي قامت وستقوم بنفس الدور في وطننا ؟ بل إذا سرنا أبعد من ذلك فإننا نجد أنه حيثما كانت الحركة القومية في وطننا تقوم على أساس اشتراكي ، كان التآلف بين البرجوازي الناشئة والإقطاع السياسي يبرز بوضوح أكبر. وكل من رافق كذلك حركة القومية العربية في كفاحها ضد التجزئة من أجل الوحدة يدرك أيضاً بوضوح أن البرجوازية الناشئة كانت هنا أيضاً أميل لأن تكون قوة في وجه الوحدة منها إلى القوة الرئيسية الأولى في الدعوة للوحدة جدياً والعمل على تحقيقها جدياً . وكلنا يعلم أن قضية الوحدة قد اتخذت مجالاً للتجارة بعواطف الشعب وأن معظم الساسة العرب قد اتخذوا من التغني بها مادة لامتصاص وعي الشعب المتزايد وأسلوباً لتخدير الدعوة للوحدة ، وأنهم لم يتخذوا أية خطوة جدية فعلا ، جدية حقاً لتحقيقها . لنأخذ مصر قبل الثورة مثلاً في حديثنا هنا فإنها تعطي أوضح صورة عن الظروف التي تطورت فيها دعوة الوحدة ، المفروض طبعاً ، وفقاً لمنطق الشيوعية أن تكون الحركة القومية العربية ، أن يكون الشعور القومي العربي وحركة الدعوة للوحدة القومية ، أقوى ما تكون في مصر حيث أنها أكبر الأجزاء العربية وأكثرها تطوراً من الناحية الاقتصادية ، والبرجوازية فيها أكثر تقدماً منها في أي جزء عربي آخر ومع ذلك نجد كما هو واضح للجميع أن مركز جيشان الشعور القومي العربي ، والدعوة للوحدة العربية لم يكن أبداً في مصر قبل الثورة ، وأنه لم تقم في مصر قبل الثورة أية حركة فكرية أو سياسية واسعة الانتشار تتبنى الوحدة العربية وتوجه الحركة القومية العربية كما قامت في أجزاء أخرى . هذه الشواهد تدل كلها دلالة قاطعة أن العنصر الحاسم ، أن العامل الرئيسي في النضال ضد الاستعمار في سبيل الحرية ،وضد التجزئة في سبيل الوحدة القومية ، كان هو الوعي . فبناء على هذا العامل بالدرجة الأولى نستطيع أن نفسر تطور حركة القومية العربية ، واشتداد الشعور القومي ، وتعمق دعوة الوحدة العربية ، أكثر مما نفسر ذلك بعمل البرجوازية لتأمين مصالحها !وهذه الحقيقة الأولى تتضح بجلاء أكبر في الدلائل التي تؤكدها الحقيقة الثانية لتطور حركة القومية العربية في الوطن .
المصدر: أدبيات حركة القوميين العرب نشر في أسيف

