هل تحول مشهد القتل اليومي في العراق وفلسطين الى مشهد مألوف؟ .. وهل تكون حولة مناخ الاعتياد البارد؟ .. يبدو ان في هذه الملاحظة كثيرا من الواقعية والمصداقية وان هذا «المألوف» الذي جعل صورة الدماء جزءا لازما من يوميات الصحف والشاشات والإذاعات، هو من النوع الخطر، بل من أسوأ ذرى الخطورة، وهو لا يعكس وحشية الاحتلال وحسب، لكنه يعكس حركة وحش الفتنة الذي كشر عن أنيابه، ففي العراق اقتتال أهلي يرافق القتال ضد الاحتلال فيؤذي الأول ويفيد الثاني، وهو لا يسمى بغير الاقتتال والفتنة مهما استخدم أصحابه من نظريات وتبريرات. وفي فلسطين يسفك الاحتلال دماء الناس في البحر والبر والجو فيما الاقتتال السياسي وأحيانا العسكري الفلسطيني الفلسطيني يوجه طعنة نجلاء للقضية الوطنية، وأهلها، ويرفع يوميا منسوب الخوف من ازدياد العجز السياسي عن الحوار والحلول الوطنية حتى في حدها الأدنى، أي حد التسوية القائمة على تبادل التنازلات الضرورية للحفاظ على الوحدة الوطنية، ولا سيما في مرحلة شديدة التعقيد توازي فيها كل دقيقة سنة، وكل سنة قرنا من الزمان.
وإذا كان المشهد حارا ومتفجرا في العراق وفلسطين فإن خصوصية المكان لا تصنع حصريته أبدا، بل ان هذا المشهد الذي يجمع وحش الفتنة اجزاءه ويركبها، إنما يعكس الحالة العربية بأجمعها، فهذا الوحش المفتن موجود سياسيا وطائفيا ومذهبيا وسلطويا وحدوديا، ولا نعرف متى يغرز أنيابه في هذا المكان العربي أو ذاك ما دامت الفرصة متاحة أمامه، وان هذا «المألوف» الذي نتحدث عنه بات في غالب الأحيان خارج التفكير الهادف الى اعادته الى حالة «غير المألوف».هل علينا ان نعترف ان الوضع العربي أصبح خارج الفعل السياسي؟ وأننا نعيش منذ زمن بعيد على ردود الأفعال، فعندما تكاثرت الأفعال وتكاثرت ردود الأفعال عليها، وليس ضدها بالضرورة تحولت الى عادة يومية وأصبحنا نألف العجز، فنرى الفتنة ونصرخ منها وعليها ولكننا لا نعمل شيئا لطعن وحش الفتنة في صدره بسيف الوحدة الوطنية، والتكافل والتضامن حفاظا على ما يمكن ان يتبقى لنا في المستقبل، وقبل فوات الأوان؟نعم، هذا الاعتراف صحيح ولكن ليست الأبواب موصدة إلا إذا أردنا ان تبقى موصدة. وما زالت الفرص أمامنا موجودة وممكنة، وليس المطلوب في الوقت الراهن ان ينشأ كيان وحدة عربية، ولا كيان اتحادي كما في أوروبا، ولكن المطلوب ان يعود الشعور بالتضامن من غربة الكلام، ومن غابة الألفاظ، ومن مستنقع الإنشاء الى الفعل السياسي، وهذا هو الحد الأدنى في هذه المرحلة من أجل وأد الفتنة ومحاصرة وحشها، ومواجهة الاستعمار الحديث الذي يريد ان يدحرجنا من حالة الكيانات الدول الى حالة الكيانات الطوائف والمذاهب، ويسقط عنا مواصفات الشعب والأمة ويحولنا الى جماعات تائهة في «الشرق الأوسط الكبير»؟ .. هل أصبح ذلك مألوفا؟ وهل تجوز مثل هذه الألفة؟
المصدر: أسيف نشر في أسيف

