يوسف الحلوي
ولد سعد بن أبي وقاص في مكة قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، وأسلم وهو ابن سبع عشرة سنة، فامتنعت أمه عن الطعام ليرجع عن الإسلام، لكنه أبى. كان مقربا من رسول الله (ص) فكان يقول عنه: «هذا خالي فليرني امرؤ خاله». قدم سعد للدعوة الإسلامية خدمات جليلة، فهو أول من رمى في الإسلام بسهم، وواحد من القلائل الذين ثبتوا مع الرسول (ص) في غزوة أحد، فكان من البدهي أن يحتل مكانة مرموقة في الدولة في عهد الرسول (ص) كما في عهد خلفائه، فقد أمّره رسول الله غير ما مرة على البعوث والسرايا وولاه عمر بن الخطاب إمارة العراق واستعمله على الكوفة واختاره في مجلس الشورى الذي عهد إليه بمهمة اختيار الخليفة حين طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وأحس بدنو الأجل. ولسعد بن أبي وقاص إنجازات عظيمة في مجال الفتوحات، فعلى يديه ضمت المدائن للخلافة الإسلامية، ويظل نصر القادسية أعظم إنجازاته على الإطلاق، فالقادسية كانت بداية نهاية الإمبراطورية الساسانية العظمى.
حين بدأت المواجهة بين عمر بن الخطاب وكسرى الفرس عقد عمر العزم على اكتساح العراق، وفكر في قيادة الجيش الذي سيفتح العراق بنفسه، وقد وافقه عدد كبير من الصحابة على ذلك، لكن عبد الرحمن بن عوف عارض الفكرة بشدة وبرر معارضته خروج عمر على رأس الجيش المتوجه للعراق بأن انكساره سيفقد المسلمين في كل البلاد التي افتتحوها آنئذ هيبتهم، فرجع الصحابة عن رأيهم الأول لصواب رأي ابن عوف مع تشبثهم بضرورة توجيه قائد لا يقل أهمية عن الخليفة إلى العراق فالمعركة مع الساسانيين مصيرية، وقد يسع الفرس أن يخسروها ويعيدوا الكرة لمواجهة القوات الإسلامية مرات ومرات لكثرة مالهم وقوة دولتهم، لكن المسلمين لا يسعهم ذلك، فالهزيمة تعني انكسار شوكتهم.
كان عبد الرحمن بن عوف حين فكر في ثني الخليفة عن الذهاب إلى العراق قد فكر فيمن يصلح للمهمة عوضا عنه، وحين ذكر اسمه ووصفه بأنه الأسد في براثنه لم يختلف الصحابة حول أهليته للقيام بالمهمة، فسعد بن أبي وقاص جدير بالثقة وقادر على تحمل المسؤولية في المواقف الحرجة.
حشد الفرس جيشا جرارا لا يقل عدد مقاتليه عن مائة ألف، ووجهوه إلى القادسية للقاء جيش المسلمين، وأسندوا قيادته لرستم، وهو واحد من أمهر قادتهم، وزودوا الجيش بعشرات الفيلة لبث الرعب في نفوس خصومهم، إذ لم يكن مألوفا عند العرب في قتالهم أن يواجهوا مثل هذا النوع من الأسلحة العجيبة. وبمجرد وصول أخبار جيش رستم إلى الخليفة عمر أصدر أمره إلى سعد بالتحرك، فتقدم نحو القادسية تسبقه فرق الاستطلاع، وأرسل رسله إلى رستم يدعوه إلى الإسلام، فأبى رستم إلا المناجزة. ومن مساوئ الصدف أن يصاب سعد بوعكة صحية في عز المعمعة منعته من مباشرة القتال بنفسه، لكنه قاوم المرض بشجاعة وطلب من أصحابه أن يضعوه في مكان مشرف على أرض المعركة لئلا يغيب عنه شيء من تفاصيلها وأناب عنه خالد بن عرفطة ليبلغ أوامره للجند.
كانت معركة القادسية معركة حاسمة حشد الخليفة عمر لها خيرة أبطال المسلمين، ويكفي أن نشير إلى أنه اجتمع للمسلمين فيها ستة وثلاثون ألف مقاتل، وهو عدد كبير قلما اجتمع مثله في فتوحات الصحابة. ومع أن الفيلة أحدثت مقتلة عظيمة في صفوف المسلمين، فقد استطاع المقداد بن عمرو التميمي شل حركتها وإبعادها عن المعركة حيث عمد إلى إصابتها في عيونها، فلما فقد الفرس سلاح الفيلة لجؤوا إلى الزحف العام على قوات المسلمين للقضاء عليها، مستغلين كثرة عددهم، لكن ذلك لم ينفعهم، فقد قتل قائدهم رستم وحلت بهم هزيمة قاسية. لقد نجح سعد في استثمار كل العوامل المتاحة لتحقيق النصر في القادسية وعلى رأسها العامل النفسي. وبلغت قوة التعبئة في جيش سعد مداها إلى درجة أن عجوزا أعمى أبى إلا أن يكون حاملا للواء في المعركة، فجعل الناس يصرفونه وهو يصر معللا إصراره بأن عماه يحول بينه وبين الفرار فاستجابوا له، فكان من قتلى القادسية الذين أذكوا حماسة المحاربين المسلمين. ومثله من الذين تأثروا بأجواء التعبئة للمعركة أبو محجن الثقفي المعروف بشعره في الخمر، فقد كان سجينا بسبب أشعاره الماجنة، فلما احتدم القتال صار يلح على زوجة سعد في إطلاق سراحه ويبكي بحرقة ويردد: كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا/وأترك مشدودا علي وثاقيا/ إذا قمت عناني الحديد وأغلقت/ مصارع دوني قد تصم المناديا/ ولله عهد لا أخيس بعهده/ لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا.
وقد رقت له زوجة سعد فأطلقت سراحه دون إذن زوجها، فقاتل قتال الأبطال، فقلب موازين المعركة بعدما لقي المسلمون من الفرس الأمرين. كان نصر القادسية نقطة تحول هامة في تاريخ الإسلام، فبعدها ستنهار الحضارة الساسانية بعد أن سقطت العراق وفارس في يد المسلمين، وستتلاشى العقائد المجوسية مفسحة المجال للدعوة الإسلامية.
في سنة 55هـ أسلم سعد رضي الله عنه الروح لباريها ودفن على بعد خمسة أميال من المدينة، وقد بلغ من العمر بضعا وثمانين سنة، فكان آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنة.

