لازالت ملامح تلك الصغيرة التي التقيت بها خلال زيارتي لدوار «بوجنيبة»، التابع لإقليم بولمان، تطاردني.. يطاردني وجهها الذي أنهكته قساوة البرد، يطل علي بين الحين والآخر. وحتى كسرة الخبز «الحرفي»، التي كانت تمسكها بيدها المثلجة، وتقضمها بشراهة، دون أن تبالي بالسائل المخاطي اللزج الذي كان ينزل من أنفها ويختلط بالخبز، لم تغادر مخيلتي.
صادفتها عند الزوال، وأنا بصدد إنجاز تحقيق ميداني عن قريتها. كانت في طريق عودتها إلى القرية رفقة زميلاتها بعد أن قطعن مسافة طويلة مشيا على الأقدام.. يفعلن ذلك يوميا: في الحر، في البرد، تحت الأمطار… للوصول إلى مدرستهن أو ما يقال إنه مدرسة.
بمجرد أن نظرت إليها أسرعت في مشيتها وخبأت عينيها الخضراوين استحياء. كانت تنتعل حذاء بلاستيكيا طويلا «بوط»، وتحمل كيسا بلاستيكيا، أيضا، تخبئ فيه كتبها.
اختفت تلك الصغيرة عن ناظري، لكن صورتها تلك، وهي تقضم خبزها الحافي، ظلت باستمرار تناوشني. أحيانا أسأل نفسي عما إن كانت ماتزال مستمرة في دراستها، رغم المشوار اليومي المرهق، أم إنها استسلمت وغادرت المدرسة كما يفعل الكثيرون من أقرانها في البوادي والمداشر.
لا أدري لماذا صارت صورة تلك الصغيرة مرتبطة في ذهني بالهدر المدرسي، حتى إني كلما استمعت إلى حديث عن الهدر المدرسي أو قرأت مقالا عن إصلاح التعليم تراءت لي صورتها تلك، وهي تقضم خبزها الحافي وتنتعل حذاءها البلاستيكي الطويل وتحمل محفظتها البلاستيكية.
تلك الصغيرة مجرد رقم بسيط في لائحة طويلة تضم عشرات الآلاف من الأطفال في البوادي، يعانون الويلات يوميا من أجل التعلم أو، على الأقل، «فك الليف من الزواطة»، دون أن توفر لهم الحكومات المتعاقبة أبسط شروط التمدرس. لذلك صارت نسبة الهدر المدرسي في البوادي المغربية مرتفعة، إذ إن 80 في المائة من أطفال القرى والبوادي هم ضحايا هذا الهدر.
خلال زيارتي لقرية في طريقي إلى جبل بورحي في مدينة خنيفرة، فوجئت ببناية قديمة تطل على مشارف مقالع الرخام، قيل لي إنها مدرسة. هاته البناية لا تتوفر فيها أدنى الشروط الممكنة للحياة، ومع ذلك يدرّسون بها.
هاته البناية، طبعا، ليست وحيدة زمانها في المغرب، إذ لها أخوات كثيرات ينافسنها في انعدام المرافق الصحية وفي غياب الماء والكهرباء وأشياء أخرى عديدة، لكن المسؤولين يصرون على تسميتها مدارس، أو فرعيات، وليس شيئا آخر.
صراحة، أستغرب كيف ينبتون مدرسة في الجبل أو في مكان يعيش أزيد من «مائة عام من العزلة» ولا تتوفر فيه أدنى شروط التعليم، ثم يطلبون من معلمين ومعلمات يجيئون بهم من المدن أن يدرّسوا بها.. كما أنهم يفرضون على التلاميذ والتلميذات أن يقطعوا الكيلومترات، يوميا، مشيا على الأقدام دون حماية من أجل أن يدرسوا بها، وفي الأخير يستغربون انخفاضَ المردودية في التعليم، وارتفاعَ نسبة الهدر المدرسي في العالم القروي!
في كل مرة، يخرمون آذاننا بإصلاح التعليم، لكن لا مسؤول مغربيا فكر يوما في الصعود إلى مدرسة في الجبل لكي يفهم لماذا صار حال التعليم متدهورا في المغرب، ولماذا أصبح الهدر المدرسي بالعالم القروي عنوان المرحلة.

