من منا لا يتذكر في الثمانينيات و التسعينيات و حتى قبلها من القرن الماضي عرض برامج ذات بعد تربوي عبر شاشة التلفزة المغربية رغم أنها في البداية و إلى عقود بعد نيل الإستقلال كان البث آنذاك بالأبيض و الأسود ؟ من منا من لا يتذكر التلفزة المدرسية وبرامجها الهادفة التي تبث للأطفال المتمدرسين و التي تخص عدة مستويات تعليمية بالتعليم الإبتدائي و الإعدادي ثم الثانوي، هذا بالإضافة إلى عدة برامج ترفيهية و تربوية محضة تخص التلاميذ منها : عمي ادريس ذلك البرنامج الذي كانت تعرضه التلفزة المغربية من استديوهات عين الشق، و كانت الإستعدادات و التداريب تقام بدار الشباب بوشنتوف ، و هو برنامج يومي حظي باستقطاب عدد كبير من الأطفال و التلاميذ و العديد من أسرهم، حيث امتزجت فقراته بما هو ترفيهي لشد الأطفال التلاميذ، و ما هو تربوي تثقيفي كالمسابقات الثقافية و الفنية، ثم أيضا كان يمنح فرصا لتقديم بعض النكت من الأطفال المشاركين في الحلقات . و هو ما كانت تهتم به الأسر و تتابعه باهتمام كبير.. فكانت النكتة و هي تخرج من فم البراء ة لها نكهتها الخاصة .. ثم صبحيات لنفس القناة نهاية كل أسبوع و برامج زوال يوم الأحد على شكل مسابقات ثقافية بين المؤسسات التعليمية العمومية في مواضيع عامة و بعض المواد التي تدرس كالتاريخ و الجغرافيا و النحو و في اللغة الفرنسية، بالإضافة إلى أسئلة حول الثقافة العامة.. و كلها كانت تحتضنها استديوهات عين الشق في هذا المجال . ثم جاء بعد هذا، البرنامج الشيق الترفيهي الشيق، الذي كان يبث مساء كل يوم ويعرف ب “سنبلة ” و امتد لسنوات، و مزجت كل حلقة منه بين الترفيه و التثقيف و التنشيط وإشراك بعض الآباء أو الأمهات من أجل ضخ دماء جديدة ومتنوعة عبر مسابقات في كل حلقة . هذا البرنامج كان من إعداد و إخراج محمد بوعروة ، الذي أبدع فيما بعد في مجالات فنية و أعمال درامية كمنتج أو مساعد أول للمخرج و كصاحب فكرة العمل الفني المقدم كانت آخر ابداعاته أمي لحبيبة
و تزامنا مع بث هذه البرامج كانت التلفزة المغربية ، القناة الأولى اليوم و على قلة الإمكانيات المرصودة آنذاك، تبث دروسا شبه يومية لبعض المواد كاللغة الإنجليزية و كيفية النطق بها و إخراج حروفها عبر الفم ثم كيفية كتابتها و اللغة الفرنسية و قواعدها و كيفية النطق بها و كتابتها و لغات أجنبية أخرى كما كانت تقدم دروسا في الرياضيات و الفيزياء و كلها بالأبيض و الأسود هذا بالإضافة إلى التنقل بين مجموعة من المؤسسات التعليمية العمومية و القيام بروبورطاجات وإعداد حلقات من داخل أسوار العديد من هذه المؤسسات رغم الإمكانيات المحدودة المتوفرة ساعتها . ولم يقتصر الأمر على ما سبق ذكره ، بل كانت التلفزة الوطنية الوحيدة آنذاك تساير الموسم الدراسي و تواكب تخليد الإحتفال بالمناسبات الوطنية و الدينية و تقدم إرشادات ومعلومات للتلاميذ عن كل مناسبة .
و في مراحل استعدادات اجتياز الإمتحانات الإشهادية ، كانت لا تبخل في تقديم كل ما يمكنه أن يساعد التلميذ المترشح لأي امتحان اشهادي، مستعينة أحيانا بنصائح طبية حول التغذية الملائمة لمثل هذه المناسبات و المطالبة بممارسة و القيام بحركات رياضية للتغلب على تعب تلك المرحلة و التخفيف من هول الحدث.
أما اليوم نلاحظ وبأسف شديد و بشكل كبير شحّ قنواتنا في التعامل مع المجال التربوي مكتفية فقط بإعطاء الخبر سواء كان حدثا ، أو تغطية نشاط التربية الوطنية و التكوين المهني أو لنشاط المجلس للتربية و التكوين أو الإعلان انطلاق الموسم الدراسي أو انطلاق امتحانات الباكالوريا أو صدور نتائجها عبر إحدى نشراتها الإخبارية . في غياب شبه تام لبرامج خاصة بالتلفزة المدرسية تكون على الأقل مشابهة لتلك التي كانت تبث في القرن الماضي. فقط نجد شذرات من هنا وهناك بكل من القناة الأولى و الثانية ما تلبث أن تزول دون أن تترك ولو بصمة مؤثرة . مقابل وفرة برامج تحمل من التفاهة و الفراغ الشيء الكثير، ناهيك عن الأفلام المستوردة من
تركيا
أو
المكسيك
أو
البرازيل
و التي يفوق عدد حلقاتها المئات مما يجعلها تقوم بدور سلبي معاكس يؤثر على شبابنا و قبلهم أطفالنا و نسائنا .
إن عودة التلفزة المدرسية إلى القنوات الوطنية المغربية أصبح أمرا ملحا خصوصا بعد التطور الكبير في مجال التكنولوجيا و التواصل السلكي و اللاسلكي، فأصبح من الضروري على المسؤولين عن هذا القطاع أن يعملوا على عودة مثل هذه البرامج بعد أن اختلط الحابل بالنابل، و أضحت عدة ظواهر و سلوكات مشينة تسيطر على أطفالنا و تلاميذنا و هم في سنواتهم الأولى من عمرهم أي في مقتبل العمر . ممكن أن نرشدهم و نكون منهم جيلا نافعا إن كانت هناك برامج هادفة و قبلها نية صادقة و خالصة .
و قبل هذا و ذاك نطرح سؤالا عريضا على المسؤولين على القطاع السمعي البصري :
” أين اختفت التلفزة المدرسية ؟ ”
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

