قبل أيام قليلة ودعنا سنة بأكملها واستقبلنا سنة أخرى لا نعرف كيف ستكون.
استقبال السنة الجديدة عادة ما يفرض إيقاعا خاصا، إذ تدب حركة غير عادية في مختلف الشوارع والمحلات التجارية، وكل واحد “كيحتفل على قد جيبو”، فما يستطيع الأغنياء اقتناءه في هذا اليوم ليس هو ما يستطيعه الفقراء والبؤساء، الذين يكون “عشاهم على الله وغداهم على الله”.
الاحتفال بنهاية السنة يكون هو الآخر مختلفا، فهناك من يكتفي بـ”المانطة” تدفئه في انتظار جذبات “الصنهاجي” و”عايشة” ورقصات “نسونجي” في سهرتي القناة الأولى والثانية، إلى حين حلول منتصف الليل، وإعلان قدوم السنة الجديدة، ثم النوم بعد ذلك، ومنهم من يطفئ الشموع ويلتهم “تورتات” الأفرنة المنزلية، فيما يفضل آخرون الاحتفال في العلب الليلية حيث الرقص وكؤوس الخمرة .
من يتمعن في هذه الأجواء الاحتفالية، التي تختلف فواتيرها بين غني وفقير، موظف بسيط ومدير، سيصل إلى قناعة مفادها أن “البوناني” بالنسبة إلى المغاربة، ليس في الأخير سوى شيء
واحد: فرصة للهروب من الذات، من الواقع.
إنه مناسبة احتفالية مقنعة، لممارسة كل الممنوعات والمحظورات، سواء بالنسبة لـ”اللي عطاتو” أو “اللي زواتو”، الكل ينفّس عن دواخله، بأسلوبه الخاص وبإمكانياته الخاصة.
المهم إذن بالنسبة إلى الجميع هو اغتنام مناسبة رأس السنة، بحثا عن ليلة مميزة، دون أن يأبه أحد إن كان هذا الاحتفال، تقليدا أعمى أو غير أعمى للغربيين.
الغريب أن احتفالات رأس السنة عندهم، تكون مرتبطة باعتقادات جميلة، إحداها تقول: من يحتسي آخر كأس من قنينة الخمر بعد منتصف تلك الليلة سيكون سعيد الحظ ذلك العام، وستحقق جل أمنياته المتأخرة، وسيزول همه.
أما نحن فاحتفالات رأس السنة تكون عندنا مرفوقة بفصول دامية تعطى انطلاقتها الماراطونية مع أول كأس خمرة، حيث ترتفع جرائم السرقة، القتل، الاغتصاب، وحوادث السير.
طبعا في مثل هذه الأجواء تعم حالة الطوارئ، حيث تتجند فرق الإسعاف وتشرع سيارات النجدة في نقل الجرحى إلى أقسام المستعجلات والكسور والحروق.
كما يقضي رجال الأمن وشرطة المرور والدرك الملكي ليلتهم كاملة متأهبين ومتنقلين بين الحوادث المرورية وتحرير محاضر المخالفات التي تكون موحدة في هذه الليلة بين جميع الحوادث: السرعة الجنونية والقيادة تحت تأثير المشروبات الكحولية .
احتفالات رأس السنة تنتهي عندهم بتبادل التهاني والأماني والهدايا. واحتفالات السنة عندنا تنتهي بالمستعجلات ومخافر الشرطة، حيث يستفيق من يحتسي آخر كأس من الخمر في أول يوم من السنة الميلادية الجديدة، ويداه مكبلتان بالأصفاد أو يجد نفسه على سرير بالمستشفى العمومي، هذا إن لم يجد نفسه في تابوت ويتم تشييع جنازته في أول يوم من السنة الجديدة.
الغريب أننا حتى ونحن نقلد الآخرين في احتفالاتهم، تكون الحصيلة دموع ومآس.
وبدل أن نفرح مثل الآخرين يكون البكاء هو مصيرنا، لأننا بكل بساطة “تابعين جيلالة بالنافخ”.

