تشكل البرامج الحوارية السياسية و الاجتماعية و الثقافية و الفنية منابر جيدة لمعاينة أشكال حضور المغربي و المغربية في بلاتوهات التلفزيون و كيفيات اخذ الكلمة و التعاطي مع قضايا الوطن و الكون.و تعتبر الفئات السوسيومهنية وطيدة الصلة بالثقافة و السينما و الغناء و الرياضة الأبرز حضورا و الأكثر تأثيرا في قيادة الرأي و تشكيل صور نمطية عن تلك الفئات. من ثمة، تطرح الأسئلة التالية: كيف يتكلم المغاربة سالفي الذكر في التلفزيون؟ ما هي الخصائص المميزة لظهورهم و عبورهم و كيف يتم تفاعلهم مع مجال اشتغالهم و مع قضايا المجتمع و الوطن و العالم؟.
إلا أن طرحها لا ينفصل منطقيا و عمليا عن سؤال نوعية و كيفية طرح الأسئلة في البرامج الحوارية و موضوعات النقاش و الجدال إن وجد. ذلك أن ندرة تلك البرامج في القناتين العموميتين العامتين ( التي بدا يرتفع عددها مع دخول ميدي1 تي في) و تباعد أوقات إعدادها و بثها و خضوعها في الكثير من الحالات لاعتبارات سياسية، لا يساهم في بلوغ المستوى المطلوب أو فتح أفاق واسعة للتحاور مع الفنانين و الكتاب و الباحثين و الرياضيين و غيرهم. و مما يزيد من تعقيد المسالة هو غياب برنامج حواري يستضيف وجوها متعددة تنتمي لمجالات مختلفة لمناقشة موضوع أو مواضيع مجتمعية و سياسية آنية تهم الأحداث الجارية في الوطن و تفاعلاتها ومواقف النخب و قادة الرأي منها. فإما أن يكون البرنامج سياسيا يستضيف نساء و رجال السياسة ( كما تمارس في المغرب طبعا) أو برنامجا اجتماعيا يستضيف متخصصين نفسيين و قانونيين أو برنامجا ثقافيا يستضيف الكتاب و المشتغلين في الحقل الجامعي و الثقافي. في هذه الحالة، يبقى ببرنامج ” مباشرة معكم” هو الأكثر قدرة من حيث تصوره و إعداده على إخراج الضيوف من شرنقة تخصصهم و دفعهم إلى اتخاذ مواقف مما يجري و يدور، إذا افترضنا أن الحلقة تناقش موضوعا آنيا و يهم قضايا حيوية للبلاد و العباد.ذلك أن وتيرة بته نصف الشهرية و طبيعة مواضيعه ” الباردة” أو غير الآنية أحيانا و نوعية ضيوفه في الكثير من الحالات تجعله يدخل دوامة الروتين، بحيث لا يشد الانتباه إلا في حلقات معينة تناولت موضوعات آنية أو قريبة جدا من “أجندة المواطنين/المشاهدين”. هكذا، نجد المطرب يتحدث عن طربه و جديده و تسجيلاته و جولاته الفنية و “غياب الدعم”، و لا ترى له موقفا أو رأيا في ارتفاع الأسعار و ضعف البنية التحتية و موت السياسة و الفساد و إغلاق المصانع و التلوث و حركة 20 فبراير و ثورة مصر وتونس و ليبيا.. و ما إلى ذلك.و عندما يجد جديد في قضية وحدتنا الترابية أو القضية الفلسطينية، ترى التلفزيون يبت تصريحات ” مستفة” الواحد تلو الأخر لفنانين و فنانات يعبرون فيها عن تشبثهم بمغربية الصحراء و إدانتهم للعدوان الإسرائيلي أو مشاركتهم في بعض البرامج الخاصة بالسيدا او السرطان أو زيارة دور الأطفال و السجون أو الإفطار الجماعي معهم.و الأدهى من ذلك أنهم لا يعبرون عن موقفهم الصريح حتى مما يقع داخل الحقل الفني، حيث تغلب المجاملات التي لا تحرك المياه الراكدة و تكشف الغطاء عن الحروب السرية الدائرة بينهم. فمن النادر أن نعثر في الحوارات و البرامج التلفزيونية عن مثقف أو فنان أو مخرج أو كاتب،الخ يتحدث عن قضايا المعيش اليومي للمغاربة أو تتم استضافتهم لهذا العرض، و ليس للحديث فقط عن جديدهم الفني و الأدبي أو مسارهم الدراسي و المهني.و في البرامج الثقافية الصرفة، يزج بالكتاب و الشعراء و الجامعيين و المفكرين في خانات ضيقة،حيث يسألون في الرواية و الشعر و الفلسفة و الكتابة و السيرة الذاتية و الفكرية و متعة القراءة و مخاض الإبداع و لذة الفكر..لكن لا نكاد نرى لهم موقفا أو تفاعلا مع ما يجري و يدور في المجتمع و الدولة و العالم.لا “يدلي بدلوه” في بئر السياسة الوطنية و قضايا المواطن و أفاق التحديث و بناء المجتمع الحداثي و هلم جرا. باختصار، هناك فصل خطير بين الفنان و المثقف و محيطه الطبيعي. و مرد ذلك إلى التصورات التقليدية للبرامج الثقافية و الفنية و طبيعة المحاور و الموضوعات و الأسئلة المطروحة على ضيوفها. و الحال أن أسئلة الواقع اليومي و قضايا الوطن و المواطن لم تعد حكرا على النشرات و المجلات الإخبارية و البرامج السياسية و الاجتماعية، و إنما صارت جزءا لا يتجزأ من البرامج الحوارية الأخرى و أيا كان تصنيفها (ثقافية، فنية، ترفيهية…).انه “عزل تلفزيوني” ناعم و فصل وجودي و معرفي بين الفن و الثقافة من جهة، و المجتمع و السياسة من جهة أخرى. إنها “تايلورية تلفزيونية” تخفي إرادة عميقة للتحكم في الرأي السياسي و الاجتماعي للنخب عبر التلفزيون العمومي، و بالتالي عدم إعطاء فرصة حقيقية لهؤلاء بان يساهموا في تشكيل رأي عام مغربي و التأثير فيه إلا وفق ما هو محدد و مرسوم. من ثمة، نفهم لماذا تبدو بعض برامجنا باردة و ثقيلة و بعيدة عن اليومي و الجاري من الأحداث و الوقائع و الانشغالات و القضايا وثيقة الصلة بالحياة و المجتمع.و مما يزيد الطينة بلة سياسة الصمت أو التقية التي تنهجها هذه الفئات إزاء كل ما له صلة بالسياسة و الموقف السياسي مما يجري و يدور. يتحدث و يتقدم الفنانون و المثقفون كمختصين في مجالات عملهم، يجيبون عن أسئلة ” تقنية” أو عامة أو متخصصة جدا أو شخصية جدا، و كأن ما يفعلوه لا علاقة له بمدينتهم أو قريتهم أو وطنهم أو عالمهم. و هذا ما يساهم بشكل حصري في” أسطرة” اتخاذ الموقف من كل شيء و الزيادة في تكبيل الأفواه و الأجساد . هذا قتل آخر للسياسة التي صارت شأنا انتخابيا و حزبيا ضيقا، و ليست شأنا عاما يتم تداوله في كل وقت و حين من كل فئات الشعب، لاسيما نخبه و “قادة رأيه” إن وجدوا طبعا.فإذا لم يسال المثقف و الفنان و الكاتب و الشاعر عن موقفه و رأيه أمام كاميرا التلفزيون و يدفع دفعا إلى أن يكشف عن انتمائه الحقيقي للوطن و العالم، كيف يعقل أن يطلب ذلك من المقهورين و المهمشين و المظلومين الذين لا يحظون بشرف اخذ الكلمة أمام الكاميرا إلا في حالات معينة ؟.
المصدر: أحمد القصوار نشر في أخبار بلادي

