.كوم عبد المنعم شوقي – الحلقة الثانية – أود في بداية هذه الحلقة الثانية من ملف الخروقات والتجاوزات التي وقف عليها المجلس الأعلى للحسابات بخصوص مشاريع أنفقت عليها الملايير بالناظور إبان مرحلة “عبد الوافي لفتيت “،أن أتقدم بالشكر الجزيل وكل مشاعر التقدير لجميع الإخوة الذين اتصلوا بي سواء عن طريق الهاتف أو بواسطة البريد الإلكتروني من أجل الإشادة بفتح هذا الملف الذي كان يشكل بالنسبة لساكنة الناظور فرصة من ذهب تستوجب استحضار التحديات ، لأن كسبها كان رهينا بحسن التدبير الناجع والحزم في التعامل مع كل المظاهرالمشينة من طرف من كان على رأس العمالة ألا وهو الوالي الحالي على الرباط سلا زعير الذي عين من طرف ” حكومة محاربة الفساد”قبل أيام. لا أزايد على أحد ، ولا أسعى إلى النيل من أحد ، كما أنني لست من هواة إطلاق الكلام على عواهنه ، وإطلاق الأحكام الجاهزة،وما كنت أريد الرجوع إلى الوراء ، لولا أن هذا الرجوع هو الذي يفرض نفسه بقوة . ولا أخفيكم سرا بأنني كنت أنتظر من حكومة ” محاربة الفساد ” أن تسجل موقفا إيجابيا وواضحا في الصفعة “القوية” و”التاريخية “التي وجهها العامل “لفتيت” لساكنة الإقليم والحال هذا،أن هناك تقريرا واضحا للمجلس الأعلى تطرق لكل الخروقات التي نحن هنا بصدد استعراضها. ومع هذه الحكومة ، كان أمل الناظوريين كبير في أن يتم إخراج تقرير المجلس الأعلى الذي كشف بالأرقام والحجج مدى خطورة الغش الذي رافق هذه المشاريع، من أجل معاقبة من كان مسؤولا عن ذلك التسيب والعبث والضحك على الذقون ، وفي أن يتساوى الجميع في المعاملة بالمثل وأمام القانون. غير أن العكس هو الذي جرى ، فتم تعيين هذا العامل من طرف حكومة سياسية وهو لازال متابعا بتقرير المجلس الأعلى ، “واليا “على عاصمة المملكة . ولم يكن اقتراح رئيس الحكومة لمثل هؤلاء ، ليساهم أبدا في تصحيح الوضع وإنصاف الساكنة ورد الاعتبار لها ، بقدر ما يساهم في تعميق الإختلالات وجعلها تتفاقم أكثر فأكثر وفقدان أية ثقة في حكومة ترفع شعار ” محاربة الفساد ” ولعل من أبرز الأسئلة المحيرة والمستعصية عن كل جواب ، هي كيف يمكن للمواطن أن يستوعب أو أن يقتنع بخطابات محاربة الفساد ، ومواصلة الإصلاح ، والتقيد باحترام القوانين واعتماد الشفافية ، وإرساء مناخ الثقة ، وإصلاح الإدارة ، إلخ.. كيف يمكن الاقتناع بهذا الخطاب حينما يصطدم الناس بعكس ما يروج له؟ وهذا مجرد مثال عن تفكك مفهوم الحكومة للإصلاح ، وعن التناقضات الصارخة بين الأقوال والأفعال ، بين الخطاب الدعائي والممارسة العملية ، كما يظهر ذلك هنا في ما نحن بصدده. وأكيد أن فرصة مهمة وتاريخية ضاعت بالنسبة للناظوريين مع تلك الأظرفة المالية المقدرة بالملايير ، ضاعت لأن العامل آنذاك ” لفتيت ” أراد تسيير الشؤون بعقلية الاستعلاء والهيمنة والتباهي ، وكان يرى نفسه صاحب قدرات خارقة وتصورات لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ملايير صرفت في مصاريف ونفقات مقابل صفقات اتسمت بالغش كشف عنها تقرير واضح صادر عن مؤسسة محترمة وهي المجلس الأعلى للحسابات ، لكن دون أن تقدم أية حكومة وبالشجاعة السياسية اللازمة على تنوير الرأي العام المحلي والوطني بما جرى خلال فترة تولي “لفتيت ” تسيير عمالة الناظور وإلى أين وصل ملف هذه الخروقات ؟ ومن يتحمل المسؤولية في كل ما شاب مشاريع الناظور من غش وتسبب في خلق أجواء من التوتر والاحتقان داخل الإقليم؟هذا ما كان يجب الانكباب عليه والانشغال به ، وفضحه ، وليس الانشغال ب ” الأشباح ” و ” العفاريت “، أم أن لكل موقع لغته وإكراهاته ؟ ترى ماذا سيقول السيد رئيس حكومة ” محاربة الفساد ” وقد أقدم على اقتراح ” لفتيت “واليا للرباط وهو مثقل بأرقام وحقائق مخجلة للمجلس الأعلى للحسابات تركها وراءه حينما كان عاملا على الناظور ؟ لو عدنا به إلى ما جاء في جريدة “التجديد” الناطقة بلسان حزبه الأغلبي في عددها الصادر بتاريخ 28 / 01 / 2010 حيث نقرأ الفقرات التالية”محملين المسؤولية لعامل الإقليم الذي لم يفعل شيئا يقي السكان والبنية التحتية من الفيضانات ” ” وقد احتج السكان في تصريحات “للتجديد” على ما وصفوه بالحلول الترقيعية التي ووجهت بها الأضرار التي أجهزت على المشاريع الملكية المنجزة ومختلف الطرقات والقناطر …”هذا كلام جريدة رئيس الحكومة ” التجديد “في حق من كان في الناظور عاملا فعين من طرف رئيس الحكومة هذا “واليا” عن الرباط سلا زعير،و يالها من مكافئة صادمة لساكنة إقليم الناظور التي قدمتها لهم الحكومة السياسية ” المحاربة للفساد ” .. تلك الساكنة التي خرجت يومئذ إلى ساحة الشبيبة والرياضة والتي تحولت إلى ساحة ” أشبه بميدان معركة عسكرية بين دولتين في حالة حرب ” على حد وصف الزميل لحسن والنيعام في يومية ” المساء ” في عددها الصادر يوم 13 / 10 / 2008 والذي تحدث عن منع سلطات “لفتيت ” العامل في مرحلة ” المعارضة ” عند العدالة والتنمية ، و” الوالي ” في عهد ” العدالة والتنمية ” وهي ترأس الحكومة..وهي المسيرة التي جاءت للاحتجاج على هشاشة البنيات التحتية والغش في تهيئة المسؤولين المحليين لها ، والتي عرتها التساقطات المطرية –تضيف جريدة المساء ليوم 13 / 10 / 2008 – وردد المتظاهرون شعارات تطالب بمحاسبة المسؤولين المحليين ومتابعة المتورطين في غش البنيات التحتية أمام القضاء بتهمة التلاعب بالمال العام …. وعودة للقاء العمالة الذي ترأسته موفدة الحكومة السيدة “نزهة الصقلي” التي سمعت الشيئ الكثير عن العامل ” لفتيت ” من وسط القاعة بل من فوق المنصة ، حينما انفجر رئيس المجلس الإقليمي السيد محمد بوجيدة في وجه العامل واتهمه بالعمل بانفرادية ومن دون أي إشراك لممثلي الساكنة ، وهنا أعود إلى مانشرته كذلك الزميلة يومية “المساء” بواسطة موفدها إلى الناظور الزميل “لحسن والنيعام” في عددها الصادر يوم 15 / 10 / 2008 حيث أخبرتنا بأن “تداعيات المشاريع ” الخاصة ” التي كلفت ميزانية مهمة من أموال دافعي الضرائب تثير تفاعلات في أوساط ساكنة المنطقة ، فقد كشف مصدر –للمساء – أن عددا من المستشارين الجماعيين عمدوا إلى إشعار السلطات بالإختلالات التي تعرفها المشاريع ” الخاصة ” التي يشرف عليها عامل الإقليم –تضيف المساء – لكن دون جدوى ، وأن عددا منهم دعوا منذ حوالي شهرين ، إلى عقد دورات استثنائية لدراسة هذه المشاريع والمطالبة بحضور عامل الإقليم فيها ، إلا أن هذه المطالب تم جهلها. وأضافت جريدة “المساء” قائلة : بأن أعضاء جماعيين لا يعرفون أي تفاصيل عن مشاريع البنية التحتية بالإقليم ويجهلون الميزانية المخصصة لبنائها ، وكان الأعضاء خارج التغطية “…. إبان هذه الفضيحة المدوية ، لوحظ أنه كان هناك من كان واضحا في التعامل مع الوضعية ومع الكيفية التي أشرف بها العامل ” لفتيت ” على مشاريع الناظور انطلاقا من الغيرة على مستقبل الإقليم ، واذكر هنا المواقف المشرفة على سبيل المثال ، موقف الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وموقف لجنة تتبع الشأن العام المحلي التي كان يديرها عدد كبير من الزملاء الإعلاميين ، وموقف فعاليات جمعوية أخرى وكان هناك من سار في ركب ” سعادة العامل ” وبارك له كل ” الإنجازات ” . فبخصوص النوع الأول وبالإضافة إلى الموقف المشرف الذي عبر عنه رئيس المجلس الإقليمي للعمالة وقتئذ السيد “محمد بوجيدة ” من فوق المنصة التي كان يجلس فيها العامل وموفدة الحكومة إلى الناظور (وليس من الحضور )، سجل له المتتبعون ومنذ انطلاق تلك المشاريع الضخمة تساؤلاته وإبداءه لملاحظات وطرح علامات استفهام عريضة بتجرد وموضوعية ، وما فتئ ومن كان بجانبه من الغيورين على المطالبة بتطبيق مبادئ الحكامة ووضع أسس مقاربة تشاركية في تدبير شؤون الإقليم ، إلا أن العامل” لفتيت “، كان ينظر إلى هؤلاء بنظرة الواجس والخائف والمتبرم أيضا . وتحرك بحثا عن بديل لرئيس المجلس الإقليمي ” المشاغب ” وتجند ومعه ” ماسحي الكابا “لضرب الكفاءات ومحاربتها ، الكفاءة التي تدفعك للتو إلى استحضار المقولة الشعرية الحكيمة ن ملء السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسهن شوامخ ، و” بوجيدة ” لم يصعد إلى الجبل ليستمر في مهامه على رأس المجلس الإقليمي ، بعد أن أصبح فجأة غير مرغوب فيه ، وتعرض لما يشبه ” طعنة من الخلف ” من أعضاء استعملوا لأغراض وأزيح من مكانه بعد أن تعب وكابد وضحى و قالها صريحة في وجه ” لفتيت ” وبحضور وزيرة في الحكومة ومن أعلى المنصة الرسمية ” إنك فعلت ما شئت في هذا الإقليم ولم تشرك أحدا، ولا علم لنا بالأرقام التي نسمعها من عامة الناس ” وخلا الجو ل” سعادة العامل ” ليفعل ما يريد مع رئيس “فاشل ” جيئ به إثر الانقلاب المدبر ضد بوجيدة وشرع ” لفتيت ” بعد أن منح له البعض ” شيكا على بياض ” في ” التخياط ” و ” التفصال ” في سرية تامة لمشاريع المدينة والإقليم على المقاس. وبذلك يكون لفتيت قد قضى فترة ” تاريخية ” و ” مشهودة ” في مشواره كعامل ، يمكن أن تتكرر كما يمكن ألا تتكرر وتصبح مجرد ذكرى في تجربته التي خاضها بهذا الإقليم تحت شعار ” العبث بالمال العام وبمشاعر الساكنة ” . أما الحكومة فأعتقد أنها ربما تكون في حاجة إلى من يذكرها بأن مقولات من قبيل الديمقراطية التشاركية ، محاربة الفساد ، والحكامة والشفافية ودولة الحق والمؤسسات ، وغيرها من المقولات ، لم تأت للاستعمال الاستهلاكي أو لمجرد تنميق مفردات القاموس السياسي. ولعل في التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للحسابات ما يغنينا جميعا من أي شك في كيفية إنجاز تلك المشاريع التي فوتت على الإقليم فرصة مهمة كما أسلفت الذكر ، وهو الذي يشير في باب إنجاز بعض الأشغال الغير المدرجة بالصفقات المبرمة، إلى أنه تبين من خلال المعاينة الميدانية لأماكن إنجاز أشغال التهيئة الحضرية المنجزة بمدينة الناظور وكذا الوثائق التي تتضمنها الملفات التقنية لبعض الصفقات المبرمة من طرف مصالح الإقليم ، إنجاز بعض الأشغال دون أن تتضمنها جداول المنجزات وكشوفات الحساب ، وقد تكررت هذه الممارسة في حالات كثيرة كما توضح الأمثلة التالية : الصفقة رقم 2008/2 : وضعت المقاولة المكلفة بالإنجاز حاجزا وقائيا بالألمنيوم على طول “الكورنيش “وقامت ببناء أعمدة باستعمال حجر “Gourougou ” وذلك على طول 517 متر ، غير أنه لم يتم أداء قيمة هذه الأشغال ، نظرا لعدم تضمينها في دفتر الشروط الخاصة. الصفقة رقم 2007/27 :قامت المقاولة بإنجاز أرصفة الشارع باستعمال الزليج وأحجار الرصف ، بالرغم من أن الصفقة كانت قد حددت طبيعة هذه الأشغال في استعمال الأسمنت ، وتتعلق هذه الأشغال بإنجاز ما قدره 5152 متر مربع من الرصيف بالزليج. الصفقة رقم 2009 / 47 : تبين من زيارة موقع الأشغال – يؤكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات – أن المقاولة قامت بوضع ستة أعمدة كهربائية حاملة لثلاثة مصابيح للإنارة دون أن يتم أخذ الأعمدة بعين الإعتبار في إعداد كشوفات الحساب ، وقامت كذلك المقاولة بإنجاز حواشي أرصفة على طول حلبة السباق بطول يصل إلى 471 متر دون أن يتم احتسابها ، لأن دفتر الشروط الخاصة لا يتضمن هذا النوع من حواشي الأرصفة ، كما يفيد جدول المنجزات رقم 2 والأخير ،أن المقاولة أنجزت ما قدره 41.742.94 متر مكعب من أشغال الحفر في حين لم يتضمن كشف الحساب 2 والأخير سوى 5.000.00 متر مكعب. الصفقة رقم 2008 / 09 : تبين من خلال وثائق الصفقة المتعلقة بتهيئة المحاور الطرقية بمركز الناظور (الشطر2 ) أن مصالح الإقليم قامت بإنجاز بعض الأشغال بإعداد لائحة للأشغال المنجزة خارج جدول الأثمان وإرسالها لمصالح الإقليم قصد الأداء. ولاحظ المجلس الأعلى للحسابات إلى أن مصالح الإقليم قامت بإنجاز بعض الأشغال وتم تغييرها فيما بعد في إطار الصفقات الموالية المنجزة بمنطقة تاويمة ، مما يدل – يؤكد التقرير – على قصور في البرمجة نتج عنه صرف أموال إضافية ، وعلى سبيل المثال ، فالأشغال التي تم إنجازها في إطار الصفقة رقم 2007/27 بشارع محمد الخامس بكلفة ناهزت 113.124.86 درهم مع احتساب الرسوم ، تم تغييرها في إطار الصفقة رقم 2008 / 24. وأشار ذات التقرير الذي يعتبر لدى المتتبعين بمثابة محاكمة لتجربة ” لفتيت ” بالناظور ، إلى أن غالبية صفقات التهيئة الحضرية التي استفاد منها الناظور ، عرفت تغييرات مهمة أثناء الإنجاز ، إذ لم يتم إنجاز حوالي 42 في المائة من الأشغال المتعاقد بشأنها ، فمن أصل 337 منشأة مبرمجة في إطار هذه الصفقات ، لم يتم إنجاز سوى 196 منشأة ، وتعكس هذه التغييرات الهامة التي عرفتها مجمل هذه الصفقات غياب تحديد موضوعي لمحتوى الصفقة من حيث الكم والكيف، مع العلم أن مثل هذه الصفقات لا تثير صعوبات كبيرة في تحديد مكوناتها ، إن هي استندت إلى معطيات مضبوطة ومحددة وفق المناهج العلمية المتعارف عليها وبالتالي ، فإن تغيير الكميات المتعاقدة بشأنها يغير حتما التوازن المالي للصفقة ، مما يكون له أثر كبير على احترام مبدأ المنافسة ، فعلى سبيل المثال ، لم تتعد نسبة إنجاز المنشآت 22 في المائة بالنسبة للصفقة رقم 2009 / 26 و 32 في المائة بالنسبة للصفقة رقم 2009 / 44 و 44 في المائة بالنسبة للصفقة رقم 2008 / 5 . كما خضعت الصفقة رقم 2007 /27 بمبلغ قدره 6.179.655.00 درهم لتغييرات مهمة ، فمن أصل 24 منشأة مرتقبة في إطار هذه الصفقة ، لم يتم إنجاز سوى 8 منشآت بمبلغ إجمالي قدره 1.383.100.00 درهم (أي حوالي 26 في المائة من المبلغ الأصلي للصفقة) وقد نتج عن هذا التغيير – يرى المجلس الأعلى للحسابات – في عدد المنشآت المنجزة تغيير مهم في كميات مجموعة منها. إنه العبث في أبشع صوره ذلك الذي صنعه في الناظور “لفتيت “وإلى الحلقة القادمة بحول الله وقوته.
المصدر: أخبار الناظور نشر في أخبار الناظور

