ظاهرياً، تبدو العلاقة بين الحكومة و”الإخوان” على درجة عالية من التوتر والاحتقان، بعد فشل محاولات ثني الحركة الإسلامية عن قرارها مقاطعة الانتخابات، بيد أنك تفاجئ حين تسأل رئيس الحكومة من جهة، وقادة “الحزب” و”الجماعة” من جهة ثانية عن نظرة كل منهما للآخر وموقفه مما حصل من لقاءات وخلافات، بأن “باطن” العلاقة أفضل بكثير من “ظاهرها”، وأن قرار الحركة الإسلامية مقاطعة الانتخابات، ليس نهاية المطاف، بخلاف ما ذهب إليه بعض “المتطيّرين” سواء من الفريق الوزاري أو من بين الناطقين باسم الحركة.
قبل أيام، كان رئيس الحكومة يجيب على أسئلة عدد من كتاب الأعمدة في صحفنا اليومية، فرفض منطق بعض وزرائه الذين “خرجوا على النص” بتصريحات أخرجت مقاطعي الانتخابات عن “الملّة”، معتبراً المشاركة حق دستوري، لك أن تمارسه أو أن تمتنع عن ممارسته، ملخصاً بدرجة كبيرة من الموضوعية ما دار بينه وبين قيادة الجماعة في اجتماعين متتالين عقدا لغرض التباحث بقرار المقاطعة، وبصورة تشعرك وأنت تستمع لرئيس الحكومة، أن الباب ما زال مفتوحاً على مصراعيه ل”حوار ما بعد الانتخابات”، سيما وأن الرئيس ينوي المضي في ترجمة عهوده للإسلاميين، حتى بعد فشل آخر جولات الحوار معهم، وقد جدد التأكيد على أنه عازم على تقديم قانون الانتخابات بصفة مستعجلة للبرلمان السادس عشر. من ناحيتها، ثمة تيار داخل الحركة الإسلامية، مهم على ما يبدو، لا يرى في مقاطعة الانتخابات، مبتدأ العلاقة مع الحكومة والحكم وخبرها. هذا الفريق يعتقد أن ما وصفه “إقبال الحكومة على الحركة الإسلامية”، هو أمر غير مسبوق منذ أمد بعيد، وهو يرى أن أسباب هذا الإقبال ليست مرتبطة بالاستحقاق الانتخابي فقط، بل وستظل مستمرة لأمد قادم، قد لا يطول ولكنه لن يقصر. أما عن ماهية الأسباب الكامنة وراء سعي الحكومة كسب ود الإسلاميين وفتح قنوات الحوار والتواصل معهم، فتردها مصادر الحزب والجماعة، إلى جملة الظواهر والتطورات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد مؤخراً، ونمو “معارضات” من داخل دوائر محسوبة تقليديا على الحكم، ترفع شعارات ذات سقف مرتفع، وتهدد في المقابل نسيج البلاد الاجتماعي ووحدة الشعب الوطنية، الأمر الذي تبدو معه، معارضة الحركة الإسلامية من النوع “الناعم”، مهما طرأ عليها من “خشونة” قياساً بمعارضة هذه القوى وتداعيات شعاراتها التفتيتية، هكذا يلخص هذا الفريق الموقف. مثل هذه الطروحات قد تريح فئة كبيرة من الأردنيين تخشى أن تقترن مطالب الإصلاح المدوية، وذات السقوف المرتفعة، بانتقاص حقوقها ومواطنتها، تحت حجج وذرائع شتى، لكنها – طروحات هذا الفريق الإخواني – تثير قلق فئة كبيرة أخرى من الأردنيين، تخشى عودة الحركة إلى ممارسة “هوايتها التاريخية” في التحالف مع الحكم في مواجهة حركات المعارضة الأخرى، أو “تبرعها” برسم سقوف خفيضة للمعارضة، لا تتجاوزها هي، ولا تسمح لأحد بتجاوزها. والحقيقة أن ردات الفعل على أطروحات هذا التيار الإخواني، لا تأتي من خارج الحزب والجماعة فحسب، بل وتهب عليها من داخلهما على ما يبدو…فهناك من تثير هذه الإشارات ارتياحه، لأنه ينتمي لشريحة من المواطنين من أصول معينة، وهناك من تثير هذه التصريحات قلقه، لانتمائه لشرائح أخرى من المواطنين، وفي كل الأحوال، فإن معادلة الصقور والحمائم داخل الحزب والجماعة قد تغيرت على ما يبدو، وتبادل القوم مواقعهم ومواقفهم. وفي خلفية المشهد الإخواني، لا يمكن للمراقب أن يسقط “دور حماس”، وموقعها في جدل الإخوان والجدل حولهم، فحماس قدمت رأياً استشارياً للجماعة يقضي بالمشاركة لا المقاطعة، وكذلك فعل إخوان مصر والتنظيم الدولي، ومن المنطقي الاستنتاج بأن أصدقاء حماس والمحسوبين عليها داخل الحزب والجماعة، كانوا أميل للمشاركة، هؤلاء الذين كانوا يوصفون بالصقور والمتشددين ذات يوم، باتوا اليوم من المحسوبين على تيار الحمائم…وفي المقابل، فإن حمائم الأمس، انقلبوا إلى صقور “خشنة”، ومن كان منهم يقاتل للمشاركة في الانتخابات، نراه اليوم يتصدر صفوف المقاطعة والمقاطعين، فهل جاء الوقت الذي قد ينظر فيه لحماس على أنها أحد عوامل الاستقرار الداخلي في الأردن، بعد أن ظل فريق من المسؤولين الأردنيين، ينظر إليها كتهديد للأمن والاستقرار معاً ؟…وهل حصول تطور من هذا النوع، يخدم عملية الإصلاح السياسي ويعزز مشاركة الحزب والجماعة فيها، أم أن تداعياته ستكون سلبية على الأمرين معاً؟. أسئلة وتساؤلات، نثيرها في غمرة عملية “خلط الأوراق” والمواقع والمواقف التي يشهدها المجتمع السياسي والحراك الاجتماعي الأردني.
المصدر: عريب الرنتاوي نشر في أخبار بلادي

