عبد الرحيم العلام
هذا، ولم يقتصر الإضراب عن الطعام على السجناء، وإنما هناك العديد من الإضرابات التي خيضت من خارج السجون من أجل المطالبة بتحسين الأوضاع السياسية والمعيشية، ونموذج ذلك ما عرفته تونس في 18 أكتوبر 2005، عندما أقدم أعضاء مجموعة من الهيئات السياسية والمدنية من مختلف التوجهات (يساريون، ليبراليون، إسلاميون،…) على خوض “إضراب الجوع” داخل أحد المقرات السياسية، الأمر الذي لقي تجاوبا محليا ودوليا لافتا، وضمن من شاركوا في الإضراب وزراء وبرلمانيون في تونس ما بعد الثورة من قبيل سمير ديلو عن حركة النهضة، وأحمد نجيب الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي، وغيرهما.
وتبقى أهم وأكبر موجات الإضراب عن الطعام وأكثرها اشتهارا وتفاعلا تلك التي خاضها السجناء الفلسطينيون في سجون ما يسمى “إسرائيل” عام 2012 في إطار ما أطلق عليه “معركة الأمعاء الخاوية”. وقبل هذا الإضراب، خاض السجناء الفلسطينيون في سجون الاحتلال العديد من الإضرابات ابتدأت بإضراب سجن الرملة في تاريخ 1969، وإضراب معتقل كفار يونا 1969، وإضراب السجينات الفلسطينيات في سجن نفي ترستا 1970، علاوة على العديد من الإضرابات التي توّجت بالإضراب الجماعي الذي خاضه أكثر من 1800 سجين فلسطيني احتجاجا على الأوضاع المزرية التي تسببت فيها “إسرائيل” بعد وقوع الجندي “شاليط” في الأسر، وانتهت هذه المعركة بتوقيع اتفاق بين السجناء وإدارة السجون الإسرائيلية برعاية مصرية. وخلال هذه المعركة السياسية، حُطّّمت كل الأرقام القياسية لمدَد الإضراب عن الطعام في التاريخ، حيث اشتهر المعتقل سامر العيساوي بكونه خاض أكبر مدة من الإضراب عن الطعام، تجاوزت 9 أشهر، انتهت بإطلاق سراحه في إطار صفقة تبادل.
ويسجل في هذه الفترة أن “إسرائيل” حاولت أن تمرّر قانونا يسمح بالإطعام القسري للسجناء وإجبارهم على إنهاء إضرابهم، وهنا تدخلت العديد من منظمات حقوق الإنسان من أجل ثني “إسرائيل” عن تصرفها، حيث رفض الخبير الأممي المكلف من قبل مجلس حقوق الإنسان ذلك قائلا: “إن عملية الإطعام القسري والعلاج الطبي رغما عن السجناء هي عملية قاسية وغير إنسانية، وإنه من غير المقبول إجبار الشخص أو استخدام القوة لتغذيته أو غير ذلك من وسائل الإكراه النفسي والبدني ضد الأفراد الذين اختاروا الإضراب عن الطعام احتجاجا على احتجازهم دون تهمة وفي ظروف احتجاز ومعاملة قاسية”. وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر معارضتها للإطعام القسري وشددت على ضرورة احترام خيارات المحتجزين والحفاظ على كرامتهم الإنسانية، بناء على اتفاق مالطا وطوكيو المنقحين في سنة 2006. ينص إعلان مالطا الذي تبنته الرابطة الطبية العالمية على أن “كل قرار تم بشكل غير إرادي وتحت التهديد والإلزام هو عديم القيمة الأخلاقية، حيث لا يصح إلزام المضربين عن الطعام بتلقي علاج يرفضونه، واعتبار الإطعام الإجباري لمن يرفض ذلك عملا غير مبرر. ويجب على الأطباء حماية المضربين عن الطعام من أي إجبار. وإن الإطعام الذي يصاحبه التهديد أو الإلزام أو استعمال التكبيل يعتبر شكلا من أشكال التعامل المذل واللاإنساني، حتى ولو كان الهدف منه منفعة المضرب عن الطعام، ويرفض الإطعام القسري لبعض المحتجزين بهدف تخويفهم وإجبارهم على إيقاف الإضراب عن الطعام”.
وربما لا يعرف الكثير منا أن حق المرأة في التصويت لم يكن حقا أصيلا حتى في أعتى الديمقراطيات، وإنما ظلت المرأة ممنوعة من حقها في التصويت إلى وقت قريب. كما لم يكن هذا الحق مِنحة من الأنظمة السياسية التي تسيطر عليها العقلية الذكورية، وإنما جاء نتيجة تضحيات جِسام قامت بها المرأة وقلة من الرجال الذين تبنوا المطالب العادلة للنساء. ومن النضالات التي سلكتها المرأة في هذا المضمار يبرز سلوك الإضراب عن الطعام، فقد خاضت العديد من النساء السجينات في بريطانيا وأمريكا إضرابات متفرقة عن الطعام في بداية القرن الـ20، واشتهرت في هذا السياق المناضلة البريطانية “ماريون دونلوب” التي كانت أول من بدأ الإضراب عن الطعام في عام 1909. وقد أُطلق سراحها، حيث إن السلطات لم ترغب في إظهارها بمظهر الشهيدة، رغم أن هناك العديد من رفيقاتها قد توفين نتيجة الامتناع عن الطعام أو نتيجة محاولة الحكومات إطعامهن بالقوة. وتوجت هذه النضالات بالسماح للمرأة بحق الاقتراع في العديد من الدول الأوربية، وبالتعديل الـ19 للدستور الأمريكي الذي ساوى بين المرأة والرجل في الحقوق السياسية.
وبدوره، عرف المغرب الكثير من الإضرابات المحدودة وغير المحدودة عن الطعام، انتهت إما بتحقيق مطالب المضربين أو بوفاتهم، وتنوّعت مشارب المضربين عن الطعام وهوياتهم السياسية؛ غير أن أشهر تلك الإضرابات كانت في 8 نونبر من سنة 1977 التي أعلنت عنها مجموعة السجن المركزي بالقنيطرة وانتهت بوفاة المناضلة اليسارية “سعيدة المنبهي” بعد 45 يوما من الإضراب عن الطعام، وتلتها مجموعة من الإضرابات العمالية والطلابية، وإضرابات المعطلين عن العمل، وبرز أيضا إضراب بعض الصحفيين السجناء، وعلى رأسهم علي المرابط الذي خاض إضرابا طويلا عن الطعام، والصحفي مصطفى الحسناوي الذي أوقف إضرابه عن الطعام بعد 20 يوما نتيجة لتدخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، فضلا عن الإضرابات المحدودة التي يقوم بها السجناء السلفيون على خلفية أحداث 16 ماي. غير أن أهم إضراب عن الطعام عرفه المغرب الراهن هو الذي خاضه الطالب “مصطفى المزياني” والذي انتهى بوفاته بعد 70 يوما من الإضراب، وهذا الإضراب عن الطعام كغيره من الإضرابات التي انتهت بوفاة من يخوضها ستكون له تداعياته السياسية والمجتمعية.

